فلسفة للبيت!
المنزل مجتمعٌ قائمٌ بذاته تمامًا كمجتمع الدولة الكبير، وللفلسفة القديمة في شأنه قولٌ أكثر مما نظن.
غريبٌ أن يكون للمدينة تاريخٌ فلسفي طويل، بينما يبدو البيت بلا تاريخ.
نعرف كيف ناقش الفلاسفةُ الدولةَ والعدالةَ والقانونَ والفضيلةَ، أمّا البيت فيبدو غالبًا مجرّد مكان تجري فيه الحياة، دون أن يُعَدّ موضوعًا يستحق التفكير. ومع كثرة ما كُتب عن السياسة، يترسّخ الانطباع بأن الفلسفة كانت مشدودة إلى الشأن العام، تاركةً الحياة المنزلية لغيرها.
غير أن ما نسمّيه «التراث الفلسفي» بيت رتّبه من سبقونا؛ حصيلة قرون من القراءة والنسخ والشرح والاختيار، قرّر فيها كل جيل ما يُقدَّم إلى المجلس وما يُدفع إلى المخزن. وما استقرّ في المجلس صار «الفلسفة»، وما أُبعد صار تفاصيل معيشة. وفي هذا الترتيب أُهملت نصوص كثيرة كتبها القدماء عن البيت، بعضها منسوب إلى نساء.
في هذا المقال الذي تترجمه النشرة تفتح ساندرين بيرجيس المخزن. تتتبّع قصة تلقّي البيت في الفلسفة، وكيف بقي فصل أرسطو الحادّ بين بيت للنساء ومدينة للرجال أطول الأصوات أثرًا، ثم تقدّم قراءتها في النصوص المهمَلة: كتاب «الاقتصاد» المنسوب إلى أرسطو، وشذرات الرواقيين عن الزواج والشراكة بين الزوجين، ونصوص الفيثاغورية المُحدَثة المنسوبة إلى نساء في شؤون البيت والفضيلة؛ نصوص تراجعت إلى الهامش لشكوك في نسبتها، أو لأن موضوعها بدا أدنى من مقام الفلسفة.
وما تكشفه هذه النصوص أبعد من مجرّد اهتمام بالبيت؛ إنها تفتح على ترتيب آخر للأولوية بين البيت والمدينة، يقلب ما استقرّ عند أرسطو من أولوية المدينة على البيت في اكتمال الإنسان.
وتنتهي بيرجيس إلى أن إهمال نصوص البيت يعزّز إقصاء النساء أنفسهن من ساحة الفلسفة والسياسة؛ فحين يسقط موضوع من دائرة ما يستحق التفكير، يسقط معه من اعتنى به وكتب عنه.
لهذا تبقى العودة إلى النصوص القديمة عملًا كاشفًا؛ فهي تُطلعنا، مع الماضي، على الطريقة التي رُتّب بها، وتعيد الحركة إلى أسئلة خرجت من دائرة الاهتمام حتى بدا غيابها طبيعيًا. وأيّ سؤال أقرب إلينا، وأشدّ حضورًا في جدالاتنا، من سؤال البيت ومكان المرأة فيه؟
أريج سلطان العتيبي
فلسفة للبيت!
ساندرين بيرجيس
إن حقل الفلسفة السياسية الذي ترجع جذوره إلى أفلاطون وأرسطو، هي نظر في كيفية عيشنا معًا داخل وحدات سياسية؛ إذ تُعنى بالدول، والحكومات، والقوانين، والمؤسسات، والمواطنة. بيد أنها لا تملك كثيرًا لتقوله عن البيوت، أو الأسر، أو الزواج، أو الوالدية. أما الحقل الذي يدرس كيفية عيشنا معًا داخل وحدات أسرية -في مقابل الوحدات السياسية- فقد كان يُدعى سابقًا بالاقتصاد (Economics)، والمشتق من اللفظ اليوناني (Oikonomika)، أي علم تدبير المنزل. كان هذا قبل أن يقتصر المفهوم حصرًا على كيفية جني الأموال وإنفاقها، وحين كان ما يجري داخل المنزل لا يزال يمثّل أهمية للفلاسفة؛ وهو ما لم يعد كذلك اليوم. وقد يعود السبب في هذا، وحتى عهدٍ قريب جدًّا، إلى أن الفلاسفة كانوا من الرجال حصرًا. فـحتى اليوم في المملكة المتحدة، لا تشكّل النساء سوى ربع كبار الأكاديميين في الفلسفة.
وبطبيعة الحال، لطالما كتبت الفيلسوفات عن المنزل؛ وأنا كتبت عن هذا الموضوع في كتابي الجديد: «لا مكان كالبيت» (2026). غير أن الفيلسوفات استُبعدن طويلًا من المشهد الفلسفي؛ وحتى عهدٍ قريبٍ جدًا، لم تُقرأ مؤلفاتهن، ولم تُدرَس، ولا حتى تُدرَّس. هذا الواقع آخذٌ في التغير اليوم، وحتى يتغير تمامًا، بإمكاننا أن نتساءل: لماذا لم يكن البيت يومًا موضوعًا يثير الاهتمام الفلسفي؟
وجوابي هو أن الأمور لم تكن لتسير على هذا النحو بالضرورة. فقد أخذ الفلاسفة من الماضي ما أرادوه، وساهموا في إخفاء الباقي. إن قصة سقوط البيت -بوصفه فضاءً منزليًّا- من حسابات التفكير الفلسفي هي قصة تلقٍّ وقَبول في المقام الأول؛ وهنا سأحاول إعادة بناء جزء صغير من هذه القصة.
وعلى الرغم من أنه ليس واضحًا متى بدأ تحديدًا التفكير في البيت بوصفه حيزًا منفصلًا عن الحياة السياسية، إلا أنه يمكننا أن نتتبع ذلك في فلسفة أرسطو السياسية، التي نشأت في أثينا خلال القرن الرابع قبل الميلاد. لقد افترض أرسطو وجود انقسام طبيعي بين الرجال والدولة من جهة، والنساء والبيت من جهة أخرى: أي حيز عام وآخر خاص. حيث اعتقد أنه بإمكان البشر الاجتماع بطريقتين متمايزتين، ينتمي كل منهما إلى حيز يوافق طبيعة هذا الاجتماع: أي البيت للحيز الخاص، في مقابل المدينة-الدولة للحيز العام. كما رأى في البيت ضرورة طبيعية للبقاء وتنشئة الأطفال، وهذا هو المكان الذي تنتمي إليه النساء، لحمايتهن أولًا، ولأنهن الأكثر ملاءمة للطاعة لا للمشاركة في الحياة العامة. أما الرجال البالغون، الذين لا يحتاجون إلى الحماية وتتجاوز قدراتهم مجرد التنظيم المنزلي البسيط، فمكانهم الطبيعي هو المدينة-الدولة والخدمة العامة.
وبغض النظر عن رغبتنا في إلقاء اللوم على أرسطو بتسببه في آلاف السنين من التحيز ضد المرأة، فالحقيقة أنه لم يكتب من فراغ؛ ولم يكن الوحيد في أثينا الذي يعتقد بوجوب عيش الرجال والنساء حياةً منفصلة، في حيزين منفصلين. فها هو بيريكليس، الجنرال العظيم في الحرب البيلوبونيسية، يخاطب النساء في خطبته التأبينية قائلًا: «إن مجدكنَّ العظيم يكمن في ألا تنزلن عن الطبيعة التي جُبل عليها جنسكنَّ، وألا يُسمع لكنَّ صيتٌ بين الرجال قدر الإمكان، سواء كان ذلك بمدح فضيلةٍ أو بتوجيه لوم». لقد كان يُنظر إلى حضور المرأة على أنه لا ينبغي أن يُوجد خارج البيت؛ فلا عين تراهنّ، ولا أذن تسمع لهنّ صوتًا خارجه.
وحتى قبل ذلك الوقت، كان المجتمع اليوناني القديم مُنظَّمًا بطريقة تجعل من المستحيل على المرأة مغادرة بيتها بمفردها، ناهيك بالانضمام إلى النقاشات السياسية في المدينة. فلم يكن بمقدور المرأة الأثينية المحترمة مغادرة بيتها إلا للمشاركة في أعياد دينية محددة، شريطة أن تكون محجبة ومصحوبة بمرافق. وحتى عندما يُدعى رجال من خارج الأسرة إلى البيت، كانوا يُبْقون بعيدًا عن حِجر النساء (جنسيًّا). وصحيحٌ أن بعض النساء كنَّ يعملن خارج البيت عاملاتٍ أو مغنياتٍ، إلا أنهنَّ كنَّ غير مرئيات، كما هو حال الطبقة العاملة غالبًا؛ فلم يُحسبن جزءًا من المدينة أو من الحيز السياسي، ولم يكنَّ يُعتبرن محترمات.
إذن، لم يكن أرسطو المتسبب في ذلك الوضع الذي يُتوقَّع فيه من النساء البقاء في البيت ومن الرجال الخروج إلى العالم؛ ففكره كان مجرد انعكاسٍ للواقع السائد. لكنه كان أحد الرجال المؤثرين الذين أيّدوا هذا الوضع، ورأوا فيه ترتيبًا حسنًا من شأنه أن يفضي إلى السعادة العامة. كما أنه من بين هؤلاء الرجال جميعًا، كان صاحب الكتابات ذات التأثير الأكبر والأطول أثرًا عبر التاريخ.
إحدى الطرق لقياس مدى تأثير أرسطو تكمن في ملاحظة كيف تغلغلت أفكاره في الثقافة الفلسفية، وأيضًا كيف قاوموها. لقد قُرئ أرسطو من قِبل المهتمين بالأدوار الجندرية في أوروبا الغربية بدءًا من القرن الثالث عشر فصاعدًا، وقبل ذلك بكثير في أجزاء أخرى من العالم مثل القسطنطينية ــ حيث أثّر في فكر المؤرخة الملكية آنا كومنين، وفي أجزاء واسعة من العالم الإسلامي. ولأن سلطته الفكرية كانت مهيبة، شعرت الفيلسوفات اللواتي واجهن أفكاره بالعجز عن مقارعتها. ومع ذلك،كانت هناك استثناءات؛ ففي فرنسا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، استشهدت كريستين دي بيزان بأرسطو كأحد الكتاب الذين بخسوا إسهامات المرأة في تقدم البشرية. وفي البندقية خلال القرن السابع عشر، ناقشت لوكريزيا مارينيلا تحيز أرسطو ضد المرأة، وحاولت أولًا دحض أفكاره في كتابها «نبل المرأة وتميزها» (1600)، ولاحقًا، قوضت وصفه للحيزين العام والخاص لتصوغ رؤيتها الخاصة للحياة المنزلية في كتابها «مواعظ للنساء ولآخرين إن أرادوا» (1645). أما في المكسيك خلال القرن السابع عشر، فقد واجهت الفيلسوفة سور خوانا إينيس دي لا كروز أرسطو بجرأة لاستبعاده النساء والحياة المنزلية، محتجة في مقالها «جواب الشاعرة» (1691) بأن فلسفة أرسطو كانت لتكون أفضل بكثير لو أنه تعلم الطبخ.
كان ولا يزال تأثير أرسطو قويًا، لكن، في حين وافقه عديد من فلاسفة العصور القديمة الرأي في وجود حيزين صُمّما لتلبية احتياجات البشرية المختلفة، فإن السجال كان أكثر تنوعًا بكثير مما قد تظنين لو اقتصرت قراءتكِ على كتاب «السياسة» لأرسطو وحده. ولسوء الحظ، وبسبب مصادفات التاريخ، فإن النصوص الأخرى التي ربما كانت ستشجع على تبني نظرة مختلفة تجاه البيت والحياة المنزلية، لم تنجُ بالكامل، أو لم تكن أصولها ونسبتها واضحة كوضوح كتاب «السياسة» لأرسطو. ولكن، لو قُدّر لهذه النصوص أن تنجو وتُتداوَل، فكيف كانت القصة لتسير؟ وهل كانت النساء لتبقى مقصورات على البيت، ومحكومات بالهامشية السياسية؟
ولنُنوّع قراءتنا للفلسفة اليونانية القديمة المتعلقة بالبيت، لا نحتاج إلى الذهاب بعيدًا عن أرسطو نفسه؛ فإلى عهد قريب جدًا، كان يُعتقد أن أرسطو قد ألّف كتابًا ملحقًا بكتابه «السياسة» يحمل اسم «الاقتصاد» (Oeconomica)، المشتقة من الكلمة اليونانية oikos وتعني البيت أو المسكن، وهو أطروحة حول الحياة المنزلية تحتوي على تفاصيل حول تنظيم البيت والأدوار الجندرية أكثر مما ورد في كتاب «السياسة». غير أن صحة نسبة كتاب «الاقتصاد» لأرسطو واجهت تشكيكًا جادًّا لأسباب متنوعة؛ إذ يُنظر إلى الكتاب الأول -الذي يناقش الحيزين العام والخاص ويصف البيت وأفراده- على أنه خليط غير متجانس يجمع بين عناصر من كتاب «السياسة» لأرسطو وكتاب «الاقتصاد» لزينوفون. وهناك أدلة تشير إلى أن الكتاب الثاني -الذي يبحث في أنماط مختلفة من الممارسات الاقتصادية التاريخية- قد كُتب في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد، أي بعد وفاة أرسطو. أما الكتاب الثالث -الذي يناقش العلاقة بين الزوج والزوجة- فلا يوجد إلا باللغة اللاتينية، ما يجعل من المستحيل تحديد تاريخ كتابته.
وقد تكون أصول كتاب «الاقتصاد» مشكوكًا فيها، لكن هذا لم يمنع نسبته إلى أرسطو لقرون طويلة، حيث قُرئ بنوع من التوقير والمهابة حتى القرن العشرين. وبعد ذلك، اختفى الكتاب من قائمة النصوص القديمة المتاحة بسهولة؛ حيث نُشرت آخر طبعاته عام 1876 بترجمة جون جيليز، ثم عام 1920 بترجمة إدوارد سيمور فورستر. وفي عام 2011، نشر مارسيلو فالينتي ترجمة إيطالية للكتاب مع تعليق وشرح عليه؛ ومع أن فالينتي لا يجزم بأن أرسطو هو من كتب «الاقتصاد»، إلا أنه يوضح أن من غير المحتمل أيضًا أن يكون أيٌّ من المؤلفين المفترضين الآخرين الذين طُرحت أسماؤهم هو الكاتب الفعلي. ورغم أن هوية مؤلفه لا تزال لغزًا، فإن الكتاب يشهد اليوم عودة قوية إلى ساحة الدراسات الفلسفية القديمة.
إن قراءة كتاب «الاقتصاد» تفاجئنا بأمر لم يسلط عليه الضوء إلى حد ما: وهو أن البيت كان يمثل أهمية كبيرة بالنسبة للفلاسفة اليونانيين القدماء. فلو كان مؤلف هذا الكتاب تلميذًا لأرسطو، فإن هذا يعني أن شؤون البيت كانت موضوعًا يُناقش في معهد (الليكنيوم)، حيث كان أرسطو وغيره يُعدّون الشباب الأرستقراطيين ليصبحوا مفكرين فاعلين. وعلاوة على ذلك، فإن ما يطرحه كتاب «الاقتصاد» حول مكانة البيت في السعي نحو تحقيق السعادة البشرية يختلف اختلافًا كبيرًا عما نقرأه في كتاب «السياسة»؛ ففي كتاب «السياسة»، يجادل أرسطو بأن على البشر مغادرة المنزل والذهاب إلى المدينة (دولة المدينة) إذا ما أرادوا تفعيل كامل قدراتهم. ويرى أن الدولة تسبق المنزل في الأهمية، ويعني بذلك أنها أكثر جوهرية لتطورنا الكامل. ويشرح أرسطو أن الإنسان حيوان سياسي، وهذا الجانب من طبيعته لا يمكن تنميته داخل المنزل. أما الزوجات، والأطفال، والعبيد: فليسوا بالموضوعات المناسبة للنقاش السياسي، لأنهم لا يملكون القدرات العقلية الكاملة المطلوبة لمناقشة العدالة بنفوذ وسلطة. لذا، يتعين على الرجل الحر مغادرة بيته والالتقاء بأقرانه من الرجال الأحرار إذا ما أراد أن يزدهر؛ فدولة المدينة هي الحيز الوحيد الذي يمكنه فيه تحقيق كامل إمكاناته:
«فقد قيل: في الفصول الأولى، حين تكلمنا بإسهاب على الاقتصاد البيتي وعن السُلْطة السَّيِّدية، إنَّ المرء بالطبْع حيوان مدني . ولذا فالبَشَرَ يميلون كل الميل إلى الائتلاف، وإن استغنى بعضهم عن مساعدة البعض الآخر تمام الاستغناء. غير أنَّ المصلحةَ المشتركةَ تجمعُهم وتضم شتاتهم، بمِقْدار ما تؤتي أفرادهم من رخاء العيش»1 .
بيد أن الكتاب الأول من «الاقتصاد» يروي قصة مختلفة؛ إذ يذهب إلى أن البيت حيزٌ تكوينيٌّ في مسيرة التطور البشري، وليس مجرد ضرورة تفرضها غريزة البقاء:
«والآن، المدينة ليست سوى تجمُّعٌ يتألف من بيوتٍ وأراضٍ وممتلكات، وهي مكتفية بذاتها فيما يتعلق بالعيش الكريم. ويتضح هذا من حقيقة أنه إذا تعذر على البشر تحقيق هذه الغاية، انفضّت الجماعة. وعلاوة على ذلك، فإنهم إنما يجتمعون معًا من أجل هذه الغاية بالذات؛ إذ إن الغاية التي من أجلها وُجد أي شيء وتكوّن هي جوهره. ومِن الجليّ، إذن، أن تدبير البيت (الاقتصاد) سابقٌ في أصله على السياسة؛ لأن وظيفته سابقة، بما أن البيت جزءٌ من المدينة. ولذا، يتعين علينا فحص تدبير البيت لنرى ما هي وظيفته».
وتعني كلمة «تجمُّع» هنا «مجموعة من وحدات عدة». فكل بيت يسعى إلى تحقيق العيش الكريم، ويبلغ غايته عبر الانضمام إلى بيوت أخرى عديدة وتجميع مواردها معًا لتشكيل مدينة. وإن لم ينجح هذا التدبير، فإنها تنفصل مجددًا، ويمضي كل بيت في سبيله أو يبحث عن مجموعة أخرى. وبناءً على هذه القراءة لكتاب «الاقتصاد»، فإن البيت يأتي أولًا، وإنما تجتمع البيوت أو تفترق لحماية رفاهها الخاص، وليس من أجل تحقيق الغاية البشرية النهائية المتمثلة في الانتماء إلى وحدة سياسية. وعندما قرأت مارينيلا هذا، لاحظت أن البيوت التي تُدار ببراعة تشبه المدن التي تُدار ببراعة، وخلصت إلى أنه بما أن المدينة ليست سوى تجمع من البيوت، فإن النساء هن المسؤولات عن حسن إدارة المدينة. إن تقسيم الحياة البشرية إلى حيزين لم يسلب النساء دورهن السياسي، بل كان يعني فقط أن هذا الدور متوارٍ، يمارس بخفاء.
لم يكن كتاب «الاقتصاد» النص الوحيد في العصور القديمة الذي تناول مسألة البيت؛ فقبل ذلك، كان هناك كتاب كسينوفون الذي يحمل الاسم نفسه، والذي كُتب قبل أرسطو بفترة وجيزة، وكان أقل إثارة للاهتمام نوعًا ما. ولاحقًا، تناول الكتاب الرواقيون موضوع البيت بشغف ملحوظ، فكتبوا عن الزواج، والأسرة، وتعليم المرأة. وكان من أبرزهم ربما موسونيوس روفوس، وهو فيلسوف روماني من القرن الأول الميلادي، وهيروكليس الرواقي، وهو فيلسوف يوناني من القرن الثاني الميلادي. يضاف إلى ذلك مدونة النصوص التي كتبتها مجموعة من الفلاسفة المعروفين بـ «الفيثاغوريين الجدد»، والتي حمل بعضها توقيعات نساء، وتناول كثير منها شؤون البيت، وفضائل المرأة، والعلاقات الزوجية. وهكذا يتضح أن موضوع البيت حظي باهتمام فلسفي بالغ في العصور القديمة.
كثير من الشذرات التي وصلتنا عن كُتّاب الفيثاغورية الجديدة الذين ذيّلوا نصوصهم بأسماء نسائية تدور حول أخلاقيات التدبير المنزلي وسياساته: ماذا تفعلين إذا خانكِ زوجكِ؟ كيف تتعاملين مع عبيد المنزل؟ وهل تمكّن فضيلة المرأة إياها، من حيث المبدأ، من إدارة الدولة؟ غالبًا ما تُستبعد هذه النصوص من دراسات الفلسفة القديمة لأن تاريخ كتابتها صعب التحديد، كما أنها على الأرجح كُتبت بأسماء مستعارة. لكنها نصوص فلسفية كُتبت في العصور القديمة وتناولت شؤون البيت؛ وأحسبُ أنه لو كان البيت يُعدّ موضوعًا حريًا بالاهتمام الفلسفي، لكانت هذه النصوص تُقرأ اليوم. إن المؤلفين الفيثاغوريين الجدد هم موضوع لعدة كتب حديثة ممتازة وميسّرة ــ مثل كتاب «نساء فيثاغوريات» (2013) لسارة بوميروي، وكتاب «الفيلسوفات الفيثاغوريات» (2020) لدوروثيا دوتش، وكتاب «نساء فيثاغوريات» (2022) لكاترينا بيلو -ولذا أحث القراء على الرجوع إليها، وسأنتقل الآن إلى موسونيوس وهيروكليس.
حظي موسونيوس روفوس بشهرة خاطفة قبل نحو خمسة وعشرين عامًا حين لاحظت مارثا نوسباوم أنه أوصى بتعليم النساء كرجال سواء بسواء. ولكن، إذا كان للتعليم أهميته في العلاقات بين الجنسين، فإن للبيت أهميته كـذلك؛ ويتبين أن لدى موسونيوس الكثير ليقوله عن البيت، بقدر ما لديه عن التعليم. أولًا، يرى أن الزواج هو « شراكة حياةٍ غايتُها إنجابُ الأطفال». ثم يمضي إلى أبعد من ذلك في استكشاف ما ينبغي أن تكون عليه الحياة الزوجية، وما تقتضيه من تبعات قانونية وأخلاقية. ويجادل بأن هذه «الشراكة» الزوجية يجب أن تكون مادية وعاطفية في آنٍ واحد: فيتعين على الزوج والزوجة أن ينظرا إلى «كل الأشياء على أنها مشتركة بينهما، وألا يُعدَّ شيءٌ منها خاصًّا أو حكرًا على أحدهما دون الآخر، حتى أجسادهما ذاتها». وإلى جانب مشاركة الممتلكات المادية، يتعين عليهما العاطفة المشتركة؛ إذ ينبغي أن تتوافر «قبل كل شيء رفقةٌ طيبة وحبٌّ متبادل بين الزوجين». وإذا تعذر تحقق هذه الشروط، فإن «هذا الرباط محكوم عليه بالخسران، ورغم أنهما يعيشان معًا، فإن مصالحهما المشتركة ستؤول إلى سوء».
يترتب على البيت واجبات على كلٍّ من الزوج والزوجة، وهنا يبرز دور التعليم: إذ يتعين على الرجال والنساء أن يتصفوا بالفضيلة كي يؤدوا واجباتهم، والفضائلُ ذاتُها مطلوبةٌ لكلٍّ من السياسة وتدبير المنزل. وأهمُّ اختلاف يعترف به موسونيوس بين دور الرجل ودور المرأة يتعلق بالقوة البدنية؛ فالرجال، لكونهم أشدَّ قوة، أكثر ملاءمةً للعمل خارج البيت، بينما النساء، بسبب ضعفهن، أفضلُ حالًا بالعيش في حماية داخل البيت. وهذا الطرح لا يستقيم إلا إذا تخيلنا الزوج منخرطًا في عمل بدني فعلي، بدلًا من الاقتصار على الأنشطة السياسية كما كان رجال أرسطو؛ فمسحُ الأرضية يتطلب قوةً بدنيةً أكثر مما يتطلبه رفعُ المرءِ ذراعه للتصويت على قرار.
اشتهر هيروكليس الرواقي بين الفلاسفة القدامى بطرحه لمفهوم «الألفة الأخلاقية - oikeiôsis»؛ أي التطور الأخلاقي بوصفه ارتقاءً عبر دوائر متحدة المركز، تبدأ من غريزة البقاء لتصل إلى المواطنة العالمية. فالتطور الأخلاقي الرواقي يتألف أولًا من أن يجعل المرء من جسده «بيتًا» له، ثم نمد أيدينا إلى أولئك القابعين في الدوائر الأقرب إلينا: الوالدين والإخوة، ثم إلى الأبعد منا: بقية الأقارب والجيران، ثم أبناء وبنات وطننا، وأخيرًا إلى العالم أجمع. وتكمن أهمية هذه الدوائر متحدة المركز في كونها تقدم تفسيرًا واضحًا وحيًا لما يعنيه الرواقيون حين يعلنون ولاءهم الأخلاقي للعالم بأسره؛ ولذا غالبًا ما نجد شذرة هيروكليس مقتبسة في الأعمال المعنية بالأخلاق أو السياسة الرواقية. غير أن انتزاع هذا النص من سياقه يُعتم على موضوع آخر كان ذا أهمية لهيروكليس، ويجب أن يهمنا نحن أيضًا. إن المقطع المتعلق بالدوائر المتحدة المركز يأتي ضمن سلسلة من الشذرات حول كيفية معاملة المرء لأقاربه، والتي تشكل بدورها جزءًا من مؤلَّف بعنوان «في الأفعال اللائقة». وفي هذه الشذرات، يجادل هيروكليس بأن الزواج -وليس الرابطة السياسية- هو ما يشكل الجماعة البشرية الأولى. ويرى أن على الزوج والزوجة أن يعملا معًا، وليس مجرد أن يعملا جنبًا إلى جنب؛ بل يتعين عليهما أن يتعاضدا. فرغم أن لديهما مهامَّ مختلفة يُسندها إليهما الاختلاف بين الجنسين -فالزوج يعمل في الزراعة والتجارة وشؤون المدينة، بينما تغزل الزوجة الصوف وتخبز الخبز وتؤدي المهام المنزلية الأخرى- فإنهما يحتاجان أيضًا إلى أن يمد كل منهما يد العون للآخر في دوره الخاص، وأن يحل أحدهما محل الآخر كلما دعت الحاجة:
«وفي الحقيقة، بوسعها [أي الزوجة] في الأعياد أن تتولى أمر الذبائح والطقوس جنبًا إلى جنب معنا؛ وأثناء رحلات زوجها إلى الخارج، يمكنها أن تحافظ على نظام البيت ولا تتركه بلا مدبر كليًا؛ كما يمكنها تولي أمر العبيد، وأن تكون عونًا لزوجها في أثناء مرضه، وسيطول بنا الحديث لو استعرضنا كل شيء على حدة».
وهكذا، وإن تقبل هيروكليس الرؤية اليونانية التقليدية التي ترى أن المهام الخارجية أكثر ملاءمة للرجال، إلا أنه يجادل أيضًا بضرورة تعليم المرأة كيفية إدارة شؤون زوجها في حال مرضه أو سفره، كما يرى أن على الزوج أن يكون مستعدًا للقيام بالمهام المنزلية. بل إنه يذهب إلى أن بعض هذه المهام المنزلية هي -في واقع الأمر- أكثر ملاءمة لقوة الرجل الجسدية:
«أليس من المفترض أن نعتقد بأن معظم المهام المنزلية الأخرى أكثر ملاءمة للأزواج منها للزوجات؟ إذ إن بعضها مجهد للغاية ويتطلب قوة بدنية؛ مثل الطحن، والعجن، وتقطيع الحطب، وجلب المياه، وتحريك الأثاث، وترتيب الفراش، وكل ما شابه ذلك».
بل يذهب هيروكليس إلى أبعد من ذلك ليقول إن بوسع الرجل أن يستمتع أحيانًا بمهن النسيج، شريطة أن يكون واثقًا من ذكورته ومستقرًا فيها:
«لا أنصحُ أي رجلٍ لا يبدي ثقةً كاملةً بذكورته وضبطًا لنفسه أن يمسَّ شيئًا من ذلك. ولكن، إذا كان المرء قد برّأ نفسه عبر هذا النمط من الحياة من كل شبهةٍ سخيفة، فما الذي يمنع الزوج حينئذٍ من أن يشارك زوجته في هذه الأمور أيضًا؟».
يبدو الحيزان بالنسبة لهيروكليس -وإلى حد ما بالنسبة لموسونيوس أيضًا- أكثر تداخلًا وسلاسة بكثير مما هي عليه عند أرسطو. ينص المجتمع على أن يرعى الرجال والنساء حدودهم، وهم يفعلون ذلك؛ غير أن أداءهما لا يستقيم إلا إذا كان بوسع الزوج والزوجة القيام بالعمل (أو ببعض العمل) في كلا الحيّزين. فالزواج شراكة تتطلب العمل معًا، ولئن كان الرواقيون يتفقون مع أرسطو على أن دور الرجل هو الكسب والتحصيل ودور المرأة هو الحفظ والصيانة، فإنهم يرون أيضًا ضرورة قدرتهما على تبادل الأدوار عند الحاجة. فهل يعقل أن تترك الزوجة الثمار تتعفن على الشجرة لمجرد أن زوجها مسافر وغير قادر على قطافها؟ ويترك الزوج الفاكهة تفسد لمجرد أن زوجته مريضة ولا تستطيع إعداد المربى؟ بالطبع، كانت أسر عديدة تمتلك خادمًا أو عبيدًا، غير أن القدرة على حلول المرء محل شريكه قادرة على توفير الكثير من الهدر والمتاعب.
ما الذي يمكننا تعلمه من النظر في هذه النصوص قاطبةً؛ سواء تلك القليلة الشهرة، أو تلك المطعون في نسبتها ككتاب «الاقتصاد» لأرسطو؟ إن القدر المشترك بين جميع تلك النصوص ومؤلفيها هو أنها تتعامل مع البيت بوصفه موضوعًا مهمًا؛ فلسفيًا ومن أجل ازدهار الإنسان. فالبيت ليس مجرد نطاقٍ لعمل المرأة، وهو ليس معزولًا عن السياسة أو عن العمل الذي يجري خارجه. وبالمعنى الدقيق للكلمة، ليس أيٌّ من هذه النصوص عملًا نسويًا؛ إذ لا تزال تفترض مسبقًا أنه يتعين على النساء البقاءُ في البيت في الغالب، وأن على الرجال أن يكونوا هم أصحاب القوامة في البيت وخارجه. لكنها، على أقل تقدير، تحث القراء على التفكير في البيت، وفيما يجري بداخله.
بالتأكيد كتاب «الاقتصاد» ليس نصًّا نسويًّا. غير أنه أكثر صراحةً ووضوحًا من كتاب «السياسة» في ايضاح طبيعة تقسيم العمل المتوقع داخل مؤسسة الزواج؛ إذ يسلط الضوء على البيت ويضعه في صدارة السجالات الفلسفية. إنه يجبرنا على التعامل مع البيت بجدية بوصفه موضوعًا للتفكير والنظر الفلسفي، وعلى النظر إلى النساء كفاعلاتٍ في التطور الإنساني، لا مجرد داعمات يطعمن الرجال ليتفرغوا للمهام الجسيمة المتمثلة في مناقشة العدالة.
وبالنظر إلى الأهمية البالغة للثقافة والفلسفة القديمة في تشكيل ثقافتنا وفلسفتنا، فإن استبعاد النصوص التي تناولت البيت ومشاركة المرأة يُعد وسيلةً لترسيخ إقصاء النساء من الساحتين السياسية والفلسفية. لعل قراءة كتاب «الاقتصاد» لأرسطو كانت ستمنحنا فرصةً للمحاججة والرد، لا سيما حين نُدعى إلى التفكير في طبيعة الزواج والأسرة عبر النظر إلى فلاسفة آخرين من أمثال هيروكليس وموسونيوس روفوس.
الاقتباس المذكور من كتاب «السياسة» لأرسطو منقول بحذافيره من ترجمة الدكتور أغسطس برباره، الصادرة عن المنظمة العربية للترجمة.


