التلويح بالفضيلة!
كيف حوّلت التكنولوجيا إشاراتنا الأخلاقية إلى عُملة رمزيّة؟
الحقيقة الحالية التي لا مفرَّ منها الآن، هي أنّ التجمّع الإنسانيّ لم يعُد يكتفي بالتفاعل المباشر -أو ما يُطلَق عليه «الواقعي»- بل تعدّى ذلك إلى التفاعُل الرقميّ في مجتمعات وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. هذا التحول خلق نمطًا من التفاعُل يختلف نوعًا ما في حيثياته عن التفاعل المباشر؛ فالتلقائية و«العفوية» اللتان تصطبغ بهما اللقاءات الواقعية لم تعُدا موجودتينِ، إذ أصبح الوجود الرقمي يملك مساحة من الزمن والمناورة خلال التواصل، الذي بدوره خلق أنواعًا مختلفة من الأحكام الأخلاقية المتبادلة في مساحاته، وضمن هذا المسرح التقني، تناقش الكاتبة ب. د. مكالي حيثيات الحكم الأخلاقي المتبادل بـ«التلويح بالفضيلة» في «مجتمعات السخط» الإلكترونية، وكيف أنه يقع في تناقض حادّ مع الفكرة ذاتها التي يظن أنه يدافع عنها.
سمية العتيبي
التلويح بالفضيلة!
ب.د. مكّلي
غدا «التلويح بالفضيلة» أحدث تشخيص رقمي يُفسَّر به سبب قيام الآخرين بما يفعلونه. وهو مصطلحٌ -على غرار «تحذير المحتوى»1- قد فتح الباب أمام سجال متبادل لا ينتهي؛ فالأشخاص الذين يبهجهم تتبع النفاق واكتشافه لديهم دائمًا مسوغات تبدو وجيهة لاتهام الآخرين بأنهم لا يفعلون ما يفعلونه إلا رغبةً في أن يُنظر إليهم كأشخاص صالحين، بينما يعمد أولئك الذين يستاؤون من هذا الاتهام إلى رمي الذي يتهمه بـأنه يخطط «لإفساد قيم اللطف والتعاطف والحب»، كما أكد أحد الكتاب في مجلة نيو ستيتس مان. ولكن، قبل أن يظهر «التلويح بالفضيلة»، لم يكن هناك سوى «التلويح» بمفهومه المجرد، دون أي دلالة تقتضي التزامًا بالفضيلة ذاتها.
وفي وجهة نظر نقاد الإنترنت، كل شيء عبارة عن إرسال إشارات: توجهاتك السياسية، وذوقك، وأصدقاؤك. لذا نظر الرجعيون الجدد2 -هم أنفسهم تلك الأرواح الناقمة التي تبدو كأنها تطمح إلى نوع من الإقطاع التقني-اليوتوبي العنصري- إلى الثقافة على نحو أوسع باعتبارها تشابكًا من الإشارات الموجهة نحو «الأجهزة التعليمية، على رأسها الصحافة والجامعات»، (ووفقًا لوصف المدوّن مينسيوس مولدباغ)، المعروفة باسم «الكاتدرائية». حيث تسيطر الكاتدرائية عليك، لكنك لا تدري؛ وذلك هو موطن مكرها تحديدًا. وفي تدوينة تُعرّف هذا المصطلح وغيره من المصطلحات، صرّح مولدباغ بأن هدف الرجعية الجديدة هو «شفاء دماغك».
ومع أن حركة الرجعية الجديدة قد تهاوت إلى حد كبير، فإن أنصارهم لم يكونوا وحدهم المهووسين بالأدائية الاجتماعية؛ إذ غدا مصطلح «إرسال الإشارات» مفضلًا أيضًا لدى المجموعة الرقمية الوحيدة الأخرى التي تضاهي الرجعيين الجدد في إسهابهم الممل: وهم العقلانيون على الإنترنت. وإذا كان الرجعيون الجدد عاجزين -كما يبدو- عن فهم آليات الثقافة إلا من منظور تآمري، فإن العقلانيين على الإنترنت يرفضون الاعتراف بأي شكلٍ من أشكال التفاعل الإنساني ما لم يُعَد وصفه، ومن ثم إعادة فهمه وفقًا لمصطلحاتهم الخاصة. وكما يوضح روبن هانسن، أستاذ الاقتصاد الذي يخطط للعيش إلى الأبد، في تدوينة حديثة:
«على مدى آلاف السنين، استعرضنا -نحن البشر- ذكاءنا عبر الحجج المعقدة والحصيلة اللغوية الضخمة، وصحتنا من خلال الإنجازات الرياضية، والإفراط في الشرب، والعمل لساعات طويلة، وثراءنا عبر الملابس الباهظة والمنازل والرحلات وغيرها. أما اليوم، فيبدو أننا نمتلك بدائل أكثر كفاءة لإرسال الإشارات، مثل اختبارات نسبة الذكاء، والفحوصات الطبية، وكشوف الحسابات البنكية».
اقضِ بعض الوقت في مجتمعات العقلانيين، وستجد تصنيفات لمختلف الأفعال وما تُرسله من إشارات: فالاعتذار (يشير إلى تدني المكانة)، والتمخط (يشير إلى رفعة المكانة)، والوقوف بوضعية مستقيمة (يشير إلى تدني المكانة). ويصرح هانسن بأن «أ في جوهره لا يتعلق بالغاية ب»، ويقدم أمثلة عدة تصب في هذا الاتجاه: «الطعام لا يتعلق بالتغذية»، و«الكنيسة لا تتعلق بالله»، و«السياسة لا تتعلق بالسياسات العامة». بدلًا من ذلك، تتعلق هذه الأشياء بصراعات أخرى غير ملفوظة، وغالبًا ما ترتبط تلك الصراعات غير الملفوظة بالمكانة الاجتماعية.
وعندما أُلحقت كلمة «الفضيلة» بمصطلح «إرسال الإشارات» قرابة عام 2015، كانت وظيفتها الرئيسة هي جعل الغاية المضمرة من الإشارة المعنية واضحة وصريحة. فبينما كنت في السابق تُرسل إشارات تدل على ذكائك، أصبحت الآن تُرسل إشارات تُثبت أنك شخص صالح. لكن أيًّا كان ما تفعله، فإن الأمر يتعلق دائمًا -وسيبقى كذلك- بما يظنه الآخرون عنك، إما على نحوٍ يُقصي أي دافع آخر، وإما يتقدم على أي سبب كان. (أما إلى أي مدى يمكن أن ينطبق هذا التشخيص أيضًا على العقلانيين والرجعيين الجدد، فذلك ما زال أمرًا غير واضح).
إلى أي مدى تُعد عبارة «التلويح بالفضيلة» مفيدة، أو ذات معنى على أقل تقدير؟ إن القول بأن الرغبة في أن يُنظر إليك بطريقة معينة يمكن أن تحول دون الرغبة في أن تكون كذلك بالفعل، أو على الأقل التعقيد في هذه الأخيرة -أن تكون صالحًا بالفعل مع رغبة النظر إليك كذلك- هو قول صحيح يقينًا. كما أن القول بأن الناس يقولون ويفعلون أشياءَ في بعض الأحيان لمجرد أن يُروا وهم يقولونها ويفعلونها، هو أمر صحيح أيضًا.
لنأخذ على سبيل المثال الآباء البيض الأثرياء الذين يصرحون بإيمانهم بأهمية إنهاء الفصل العنصري في المدارس، لكنهم يرسلون أطفالهم إلى مدارس تفصل بين الطلاب في كل شيء باستثناء اسم المدرسة. كلا الفعلين هنا (مناهضة العنصرية المعلنة، واختيار المدرسة) ينطوي على نوع من إرسال الإشارات؛ إذ إن اسم المدرسة التي ترسل إليها أطفالك يمكن أن يكون له أهمية تفوق جوهر التعليم نفسه. وفي الوقت نفسه، كما يمكن فهم خيار إرسال أطفالك إلى مدرسة مختلطة (تضم أعراقًا مختلفة) على أنه لوحة استعراضية للتلويح بالفضيلة -أي إنك مهووس جدًا بالظهور بمظهر الشخص ذي العقلية القويمة، إلى حد اتخاذ قرارات قد تضر بأطفالك.
ولما كان البشر منذ آلاف السنين، كما يقال في التعبير الشائع، كائنات اجتماعية، فإن الأمور تبدأ في الغموض والالتباس عند هذا الحد تحديدًا. فكل شيء يمكن أن يستحيل إشارة، وهو بالفعل كذلك إلى حدٍ ما: الملابس التي ترتديها، والكتب التي تفضلها، والسيارة التي تقودها، والطعام الذي تأكله، والدين الذي تمارسه، والمنظمات التي تمنح لها وقتك ومالك، وهلم جرًّا. وما لم تتجشم عناءً كبيرًا لتضمن ألا يراك أحدٌ أبدًا وأنت تفعل أيًّا من هذه الأشياء -وهو أمرٌ عُرِف عن بعض الناس فعله- فإنها كلها تظل معلومات يحكم عليك الآخرون من خلالها.
وبعبارة أخرى، ربما تعجبك روايات ليو تولستوي لأنها جيدة؛ أو ربما تعجبك لأنك سمعتَ أنَّ هذا هو ما يُحبه الأذكياء، وأنت تود أن يُنظر إليك بوصفك ذكيًّا. بيد أن الأرجح هو أن ردة فعلك هي مزيج مستعصٍ على الفهم من هذين الأمرين معًا؛ إذ إن ذوقك لا يتشكل في فراغ، كما أنه على الأرجح لم يتطور لأسباب نفعية بحتة. وإذا كان كل فعل يمكن أن تتخذه في موقف معين قابلًا لأن يكون تلويحًا بالفضيلة -سواء كان متسقًا مع مبادئك أو مناقضًا لها- فإن مصطلح «التلويح بالفضيلة»، بوصفه أداة تشخيصية، لا يغدو ذا فائدة تذكر.
وكحال النفاق، ينبغي للتلويح بالفضيلة أن يؤدي وظيفة التذكير بأن ما يقوله المرء أو يكتبه يجب ألا يقتصر على كونه مجرد كلمات جوفاء. لكنه غدا في الأغلب وسيلة للقول بأنه لا داعي للاستماع إلى أي كلمات أصلًا؛ لأنها كلها جوفاء. إن التلويح بالفضيلة يُعد أمرًا سيئًا إذا ما غلب إرسال الإشارة على الفضيلة الحقيقية نفسها؛ واستعارةً هنا لمفردات روبن هانسن، ينبغي للمرء أن يقول إن (أ) يتعلق في جوهره بـ (ب)، ويجب أن يكون كذلك. ومع ذلك، فإن الاتهام بالتلويح بالفضيلة غدا في الأغلب وسيلة لمحاولة التهرُّب من سؤال ما إذا كان (أ) يتعلق حقًّا بـ (ب)، وذلك عبر تقديم الدافع والمأرب على مضمون المعتقدات ذاتها.
وليس من قبيل المصادفة أن ينتشر هذا الهوس بإرسال الإشارات في مجتمعات السخط الرقمي؛ ذلك أن إرسال الإشارات -بالمعنى المتعمد والمقصود تمامًا- أمرٌ لا مفرَّ منه في التفاعلات الرقمية. فكل ما تفعله على الإنترنت تفعله وأنت واعٍ به، وهو بهذا المعنى يفتقر إلى تلك السمة التي تتصف بها الحياة الواقعية. فرسائل البريد الإلكتروني، والتغريدات، والنصوص، كلها تخضع للتروي على نحوٍ يُقصي العفوية بالكلية. فحين تملأ قائمة كتبك المفضلة على فيسبوك، تكون واعيًا بما تقوله هذه القائمة عنك، وبما يعنيه التركيز على الكتب (بدلًا من الأفلام أو الموسيقى). وعندما تختار صورة لملفك الشخصي، فإنها تصبح وجهك الثابت ما دمت تستخدمها. وحتى حين تكتب بيانات ملفك الشخصي على منصات التعارف، تحاول انتقاء سمات تمثلك بدقة، لكنها في الوقت نفسه تجذب نوعًا معينًا من الأشخاص؛ أنت تُرسل إشارات تثبت بها أنك الشخص المثالي بالنسبة للشخص المثالي الذي تبحث عنه.
إن الانتقادات الضمنية التي تنطوي عليها الاتهامات بالتلويح بالفضيلة تتطلب نوعًا من الإخلاص المستحيل في الدوافع -أي ضمان أنك لو قمت بهذا الفعل في فراغ تام لظل كما هو دون تغيير- ثم تستبدل بهذا الإخلاص نقيضه تمامًا. فإذا كانت الأفعال تُؤدّى بالضرورة أمام الآخرين، وطريقة تفكيرنا فيها تتشكل بفعل ثقافتنا، فإن جميع الأفعال يمكن فهمها حينئذٍ بوصفها مجرد أداء تمثيلي بحت؛ إذ لم تكن لتفعلها لو أنك نشأت في مكان آخر، ومع والدين آخرين، وضمن منظومة قيمية مختلفة، كما لم تكن لتفعلها لو ظننت أنها ستحط من مكانتك أو منزلتك كشخص صالح. بيد أن ما يعجز مصطلح «التلويح بالفضيلة» عن إدراجه في إطاره النظري -رغم وجوب ذلك- هو أن معظم البشر يتصرفون بناءً على دوافع مختلطة: فهم يرغبون في فعل الشيء الصحيح، ويودون أيضًا أن يظن الناس بهم خيرًا.
كما أن الأفعال قد تُعد نوعًا من التلويح بالفضيلة، ولكن -إذا جاز التعبير- أمام الذات فحسب. فحين يزعم مقالٌ نُشر في مجلة «ذا أمريكان سبكتاتور» بأن «إعادة التدوير هي أحد الطقوس المقدسة المفضلة لدى اليسار» لأنها «تساعد على التغلب على عقدة الذنب الناجمة عن الاستهلاك»، فإن الافتراض الضمني هنا هو أن إعادة التدوير لا تقدم شيئًا، وأن جدواها (كممارسة بيئية) لا تستحق النقاش أصلًا. فأنت تعيد التدوير لتبدو كشخص يهتم بالبيئة، وتود أن تبدو كشخص يهتم بالبيئة لأن الاهتمام بالبيئة هو ما يفعله الأشخاص الصالحون، وتود أن تبدو كشخص صالح لأنك... حسنًا، من يدري لمَ؟ لكنك تود ذلك على أي حال.
لكن إعادة التدوير لا تحقق كثيرًا في الواقع، تمامًا كما أن تقليص مدة الاستحمام لا يُسهم إلا بالقليل في ترشيد استهلاك المياه؛ إذ إن نوعية الإجراءات اللازمة لمواجهة التهديدات البيئية يجب أن تُتخذ على مستوًى أعلى بكثير. فشراء البيض البلدي (الخارج من نطاق الأقفاص) لن يوقف الزراعة والتربية الصناعية، واختيار زوج واحد من الآباء إرسال طفلهم إلى مدرسة مدمجة لن يؤدي -بمفرده- إلى إنهاء الفصل العنصري في المدارس. إن الأفعال الفردية لا تعني شيئًا يُذكر عندما يتعلق الأمر بالتغييرات الكبرى؛ وبدلًا من ذلك، غدت إعادة التدوير مجرد تذكير داخلي ذاتي: أنت تهتم بهذا الأمر، أتتذكر؟
إذن، نعم. هذا هو التلويح بالفضيلة. لكني سأكون كارهًا لإدانة اتخاذ أفعال صغيرة كل يوم لتذكير المرء نفسه بغاية أسمى. فقد ظهر لرجل يوناني قديم يُدعى أرسطو أن بناء العادات الصغيرة هو السبيل الوحيد لكي يصبح المرء فاضلًا على الإطلاق. وأنا أقرّ هنا بأنني أقحم اسمه لأشير إلى مستواي التعليمي؛ لكني أظن أيضًا أنه وضع يده على الحقيقة.
تحذير المحتوى (Trigger Warning): تنبيه يُوضع في مقدمة المواد المكتوبة أو المرئية لإنذار المتلقي بأن المحتوى يتضمن نقاشًا حول مواضيع حساسة أو صادمة (كالعنف أو الانتحار). وقد تحول في الفضاء الثقافي الغربي من إجراء وقائي نفسي إلى موضوع سجال سياسي حاد حول حرية التعبير وصناعة الهشاشة النفسية.
الرجعية الجديدة» (NRx): حركة فكرية راديكالية مضادة للديمقراطية، ولدت في مدونات وادي السيليكون على يد المدون “مينسيوس مولدباغ” والفيلسوف “نيك لاند”. تطالب الحركة باستبدال الأنظمة الديمقراطية بـ «إقطاع تقني» تُدار فيه الدول كشركات خاصة تكنوقراطية. ويرى أتباعها أن المجتمعات المعاصرة تقع تحت هيمنة منظومة فكرية موحدة تقودها الجامعات والإعلام ويسمونها «الكاتدرائية».


