هل يمكننا تخيل عواطف جديدة؟
مُنذ زمن أرسطو كان الخيال حاضرًا في الأدبيّات الفلسفيّة، لكن في بداية القرن الحادي والعشرين قَفَزَ الخيالُ لقلبِ اهتماماتِ عديدٍ من الفلاسفة، خصوصًا مع صدور أعمال مِفصليّة في فلسفة الذّهن وعلوم الإدراك، فلم يعُد الخيال مجرَّد محاكاةٍ وتقليدٍ للواقع، بل «سقّالة» معرفية قادرة لأخذنا لأماكن جديدة، تُمكِّنّا من معارف لم تصل إليها البشرية مِن قبل؛ حيثُ تكمُن أهميته الاستثنائية في العلوم، في قدرته على ردم الهوّة بين المعرفة النظرية والمعرفة التجريبية، فمن خلاله يبتكر العالِمُ نظرياته ويُحاكي بالنماذج المُتخيَّلة الواقعَ.
أمّا حكايتي مع الخيال فبدأتْ مُنذ خمس سنواتٍ، عندما وقعتُ مصادفةً أثناء بحثي في فلسفة العِلم على كتابٍ يتناول العَلاقة العميقةَ بين الخيال والعِلم، بَهَرني الكتابُ لدرجةٍ أبقَتِ الخيالَ في حيِّز تفكيري واهتمامي حتى هذه اللحظة، لذا ترجمت لكم في نشرة إيبوخية الأولى مقالٌ يُناقش أحدَ اهتمامات فلاسفة الخيال، لِيكونَ دعوة للفت النظر لهذه الملكة العقلية التي لا تزال تأخذنا نحو المُمكن الممتد في عوالمها التي لا تنتهي، ولن تنتهي، ما دام الإنسان قادرًا على أخذها بجدية حاسمة، تُنقذ استمرارية نموّه وازدهاره وإنسانيّته أيضًا.
سمية العتيبي
راجع الترجمة: نادية المطيري
في تقاليد التراث الفلسفي العريق، يظل الخيال رهينًا بتجاربنا الحسيّة السابقة؛ فلا يُمكن للمرء، على سبيل المثال، أن يتخيّل مذاق فاكهة الدوريان ما لم يختبر طعمها حقيقةً. هذا العجز المتأصّل في مخيّلتنا هو ما يُمكن تسميته ب«ـالقيد التجريبي». ومِن هنا، تبرز تجربة التذوُّق الأولى كـ«تحوّل إبستمولوجي»،يفتح لنا آفاقًا معرفية كانت مُغلقةً ومستحيلةً قبل تلك اللحظة.
لكن في الآونة الأخيرة، شَكَّكَ بعض الباحثين في القيد التجريبي. حيث ترى الفيلسوفة أيمي كايند، أن ليس من الصعب تخيُّل تجارب جديدة؛ إذ يُمكننا بالفعل الوصول إليها في مخيلتنا من خلال ما تسمّيه «التسقيل التخيّلي»1، وهي عملية إضافة أو حذف أو تعديل تجاربنا السابقة لنحصل على خليطٍ جديدٍ ومُبتَكرٍ في الخيال. وربما كان من الممكن لنا تخيُّل تجربة حسية جديدة، مثل تناول دوريان، عبر الانطلاق من تسقيل تخيّلي مستمد من تجارب مررْنا بها بالفعل.
أما الآن، فحاول تخيُّل شيء آخر مثل: كيف يبدو شعور فرحة الأمومة إذا لم يسبق لكِ أن كنتِ أمًا، أو كيف يكون الشعور بالحنين للماضي (النوستالجيا) للمرة الأولى؟ تُقدم لنا هذه الأمثلة تجاربَ جديدة، لكنها هذه المرة ذات طبيعة عاطفية. فهل يُمكننا الوصول إلى هذه التجارب عبر الخيال؟ وبشكل أعم، هل يُمكننا إسقاط تجربة التسقيل التخيلي على العواطف أيضًا؟ في هذه التدوينة، أستكشف ما إذا كانت العواطف تمثل نوعًا مختلفًا من التحدي للخيال مقارنة بالتجارب الأخرى، وكيف يحدث ذلك.
حين نسقط التسقيل التخيلي على العواطف، نواجه تحديات مختلفة لا نجدها عادةً في الحالات الذهنية الأخرى. فأولًا، وبينما لا خلاف على قدرتنا على تخيُّل الحالات العاطفية على نحو قضويّ2، فإن إمكانية تخيل العواطف على نحو غير قضويّ يظلُّ موضعَ شكٍّ، أي ليس من الواضح إلى أي مدى يمكننا تخيل العواطف حسيًّا وبطريقة تحفظ فينومينولوجيتها المميزة -أي جوهر الشعور كما نعيشه فعليًّا.
حتى لو سلَّمنا بقدرتنا على تخيُّل العواطف على نحوٍ ثريٍّ فيمونولوجيًّا، يبقى السؤال قائمًا: هل نحن قادرون على تخيُّل عواطف جديدة؟ الإجابة حقيقة معقّدة لسببين على الأقل: الأول، أنه ليس من الواضح تمامًا ما المقصود بالعاطفة «الجديدة». والثاني، هو ضبابية إمكانية تعريف الفينومينولوجيا التأثّرية3 في السياق التخيّلي.
فلنبدأ بالمسألة الأولى: ما الذي نعنيه تحديدًا بالعاطفة «الجديدة»؟ فقد نقصد ببساطة حالة جديدة لنوع العواطف ذاته (كحالة فرح جديدة نعيشها، رغم سبق معرفتنا بالفرح)، أو نعني نوعًا من العواطف جديدًا كليًّا (كأن يشعر المرء بالحنين للماضي للمرة الأولى في حياته دون سابق معرفة به).
تُشبه الحالة الأولى المثالَ الذي أوردَتْه كايند عن تذوُّق معين من الفراولة في وقتٍ يكونُ المرء قد ذاق نوعًا آخرَ من الفراولة من قبل، وهذه لا يبدو أنها تنطوي على تجربة جديدة. ومع ذلك، لا ينبغي لنا التسرُّع في استبعاد أمثلة كهذه؛ ففي عالم العواطف، يبدو الإشكال الذي لاحظتْه كايند —والمتمثِّل في رسم الحد الفاصل بين التجارب الجديدة كليًّا وتلك التي ليست كذلك- أكثرَ تعقيدًا؛ إذ يُمكننا أن نتساءل: هل الحالات المختلفة للعاطفة الواحدة قابلة للمقايسة دائمًا، حتى حين تختلف موضوعاتها اختلافًا جذريًّا؟ على سبيل المثال، هل يمكن بالفعل مقارنة فرحة الأمومة بأي حالة فرح أخرى؟
بالإضافة لذلك، كيف نصنف الحالات التي تنطوي على عواطف مركبة معرفيًّا؟ هل يكفي مثلًا أن نكون قد جرّبنا شعورَ الاشمئزاز الفطري لنتمكن من تخيل الاشمئزاز الأخلاقي؟ أم ينبغي لنا اعتبارهما نوعينِ منفصلين من العواطف؟ يرى «برينز» -في رأيه الذي اختلف معه الجميع عليه- أنّهما يُمثّلان عاطفة واحدة لها البنية نفسها. وهذا يكشف صعوبة وضع خط فاصل بين ما يُعد تجربةً جديدة صرفة، وما لا يُعد كذلك في العواطف.
لِندعْ هذه المسائل جانبًا في الوقت الحالي، ولنركّزْ على الحالة الثانية كونها الأكثر ارتباطًا بموضوعنا، وهي التي تنطوي على أنواع عواطف جديدة. لا شكَّ أن حالاتٍ كهذه تُمثّل تحدّيًا حقيقيًّا، كونها تنطوي على تجارب تُفضي لتحوُّل إبستمولوجيّ. بإمكاننا أن نقرأ كل شيء عن الحنين للماضي، لكن يبدو أننا لن نعرف أبدًا كنهَ هذا الشعور ما لم نُجرّبْه بأنفسنا. فهل يسعفنا الخيال في هذه الحالة وما يشابهها؟
أجاب البعض بالإيجاب؛ يرون أنه يُمكننا استخدام التسقيل التخيّلي للوصول إلى عواطف جديدة تمامًا عبر دمج تجارب فينومينولوجية أكثر بدائية في مخيلتنا (ويرنر، 2023؛ فيندريل-فيران، 2025). ويبدو هذا المسار قابلًا للتطبيق في الحالات الفينومينولوجية المعقّدة ذات السمة التأثرية المركبة، كالحنين للماضي مثلًا. ولتتبع هذا، يمكننا تخيُّل الحنين للماضي للمرة الأولى عبر دمج حالات تأثرية أبسط (مثل: البهجة مع الشعور بالفقد والشوق). وثمة مثال آخر لافت في هذا السياق طرحته سوزان فيجين، وهو الشعور بـ«تسليةٍ مشوبة بازدراء تباغتنا في غمرة القلق» . وفي هذه الحالة أيضًا، نجد للعاطفة بنيةً معقدةً، لكنّها بنيةٌ يُمكن تقصِّي جُذورها، والعودة بها إلى حالات تأثّرية أبسط.
قد يُجادل البعض بأن العواطف المعقدة ليست مجرد حالات فينومينولوجية تُبنى من أجزاء أبسط، وأن تصوّرًا كهذا ليس سوى تبسيطٍ مُخلٍّ للواقع. وهذا صحيح ولكن هل نحتاج حقًا إلى دقة متناهية لكي تنجح عملية التسقيل؟ وما هو معيار الدقة في هذا السياق.
تُشبه عملية الربط هذه بين التجارب المتشابهة في الخيال، إلى حدٍّ ما، الطريقة التي تتطور بها حساسيتنا العاطفية؛ أي عبر استثمار التشابه بين المواقف التي تُثير العاطفة لدينا بالفعل وبين المواقف الجديدة. فعلى سبيل المثال، يُمكن لموقف جديد ينطوي على إهانة أخلاقية أن يُثير الغضب بفضل اتصاله بمواقف أكثر بدائية (كالإهانة الجسدية) تشبه الموقف الجديد. وإذا كان النموُّ العاطفيّ يتطلب نوعًا من الإدراك المنظوري (Aspectual) -أي القدرة على رؤية المواقف الجديدة في ضوء تجارب سبق أن مررنا بها- فإنه يمكننا هنا التحدّث عن الخيال المنظوري: وهو القدرة على تخيُّل حالات عاطفية جديدة في ضوء حالات أكثر بدائيةً سبق لنا الشعور بها.
فإذا أجدى التسقيل نفعًا مع العواطف المركبة، كالحنين للماضي، فهل يُمكن تعميمه على العواطف الأساسية أيضًا؟ ماذا عن السعادة، أو الخوف، أو الاشمئزاز، وهي مشاعر لا تحتوي طياتها على عواطف أخرى كأجزاء مكوّنة لها؟ غير أن السؤال الحاسم هنا هو: هل تملك هذه الحالات بنيةً ما أم لا؟ فوجود بنية (ولو في حدها الأدنى) هو شرطٌ مسبق لعملية التسقيل التخيلي. وقد ذهبت فندريل-فيران مؤخرًا إلى أن العواطف الأساسية، مثل الاشمئزاز أو الخوف، يُمكن تحليلها بالعودة إلى أحاسيس أولية «كالشعور بالضيق، أو التوتر، أو التهديد، أو الضعة، وما إلى ذلك». ومع ذلك، فإن عديدًا من العواطف السلبية قد تشترك في الأحاسيس ذاتها التي ذكرتها «فيران»؛ كالحزن والخزي مثلًا، وليس فقط الاشمئزاز والخوف. فكيف يُمكننا إذن التمييز بين هذه العواطف المختلفة؟ ربما يكمُن الحل في العثور على التوليفة «الصحيحة» لكل عاطفة، وهو أمرٌ يُمكننا تحسينه وتطويره عبر الممارسة والتدريب.
وهذا ينقلنا إلى المسألة الثانية التي ذكرناها آنفًا، وهي كيفية تعريف الفينومينولوجيا التأثرية في سياق الخيال. وبصفة عامة، قد نتساءل عما إذا كانت الفينومينولوجيا وحدها كافية لتمييز نوع العاطفة. ففي الأدبيات الفلسفية، تُعرَّف العواطف عادةً في ضوء موضوعها الصوري4؛ أي الخاصية التقييمية التي تمثلها العاطفة وتحدد شروط صحتها (كالخطر بالنسبة للخوف مثلًا). فهل يمكننا حقًّا معرفة الخوف بمجرد تخيل فينومينولوجيته التأثرية؟ وماذا لو كانت الفينومينولوجيا ذاتها مشتركة بين حالات عاطفية أخرى؟ على سبيل المثال، يُقال إن الخوف والغضب يتشاركان فينومينولوجيا متشابهة. وإذا كان التسقيل يمنحنا وصولًا إلى فينومينولوجيا لا يُمكن تمييزها عن تجارب تأثّرية أخرى، فستصبح العملية حينها بلا قيمة إبستمولوجية. فنحن نسعى لتخيُّل عواطف جديدة دون أن نفقد ملامحها الفينومينولوجية الفريدة.
لذا يتعيّن علينا السعي نحو فينومينولوجيا أكثر دقةً وتفصيلًا. فعندما يتحدث الباحثون عن الفينومينولوجيا التأثرية، فإنهم عادةً ما يشيرون إلى بُعد التكافؤ ( (Valence)في العواطف، أي بين مشاعر اللذة أو الألم المرتبطة بها. كما يتناول جانب محوري من الفينومينولوجيا التأثرية؛ الفينومينولوجيا الجسدية، ونعني بها ذلك التفاعل المركب للأحاسيس «الجسدية-الحشوية»5. ومع ذلك، لاحظ بعض الباحثين أن الفينومينولوجيا الجسدية وحدها لا تكفي لتفسير خصوصية العواطف، وجادلوا بأن الأشكال الإدراكية المعرفية والنزوعية6للفينومينولوجيا هي الأكثر أهمية. ومن ثم، يجب علينا الاستناد إلى كل هذه الجوانب للفينومينولوجيا التأثرية لكي نتمكن من تخيل العواطف بدقة.
«الخيال هو أمل مجنون بالرؤية بلا حد»
غاستون باشلار
التسقيل التخيلي (Imaginative Scaffolding): مصطلح فلسفي قدمته أيمي كايند، تستعير فيه مفهوم «السقالة» من مجال البناء. والمقصود به هو استخدام التجارب الحسية المألوفة لدينا كبنية تحتية، أو قاعدة انطلاق لبناء تصورات لأشياء لم نجربها قط. (سمية)
أي معرفة الشعور كمعلومة دون الشعور بها فعليًا. (سمية)
الكلمة الأصلية affective.
الموضوع الصوري Formal Object)): هو العدسة التي نقيّم من خلالها الموقف ونعطي للعاطفة معناها ومنطقها. فبينما يمثل الأسد الموضوع المادي للخوف، فإن الخطر هو الموضوع الصوري؛ أي الصفة التي جعلت الخوف هنا شعورًا صائبًا. (سمية)
أي الشعور بالعاطفة في الأعضاء الداخلية كانقباض المعدة وتسارع نبضات القلب. (سمية)
تشير للنزعة أو الرغبة لفعل شيء ما عند الشعور بالعاطفة. (سمية)



Seems to be phenomenology