استنفروا.. لتباطؤٍ حقيقي!
لم يزل مفهوم التقدم مثارَ جدلٍ كبير في الغرب، حتى ليكاد يكون مدخلاً لأيِّ نقدٍ يوجَّه للحداثة. وفي هذه النشرة يتخذ سلافوي جيجك من الأرضية المفاهيمية «للتقدم» منطلقًا لنقده للرأسمالية، داعيًا لمراجعة جذرية لهذا المفهوم، تراعي تحولات الرأسمالية نفسها.
فيكشف عن التعارض القائم بين أي مفهوم للتقدم وأيديولوجيا الرأسمالية، ويجعل من عقار الأوكسيكودون “السلعة المثالية” التي يتجلى فيها تغوُّل الرأسمالية؛ إذ لم يُمنَع هذا العقار رغم نتائجه الكارثية.
ويواصل جيجك نقده للرأسمالية التي تتعارض من ناحية أخرى مع مفهوم «النمو المستدام»، ويتناول في السياق نفسه فكرة «الماركسية البيئية» التي يقدم من خلالها المفكر الياباني كوهي سايتو بديلاً لتفادي عواقب التحديث الرأسمالي المتسارع على البيئة، فيدعو إلى التباطؤ ممثلاً فيما سماه شيوعية (تراجع النمو) ولا يتأتى ذلك عنده إلا بالتخلص من السمة التقدمية في شيوعية كارل ماركس القائمة على «نمو لا محدود»، ورفض الاندفاع غير المشروط نحو التقدم التوسعي.
ولا يلبث جيجك أن يُخضع مفهوم سايتو للرأسمالية للمساءلة، من حيث قدرة ذلك المفهوم على استيعاب مظاهر الرأسمالية الجديدة ممثلةً فيما سُميَ «الإقطاع التكنولوجي»، ويتساءل جيجك من ثمَّ حول رؤية سايتو البديلة لعلاج عواقب التقدم التوسعي على مستقبل البشرية، قائلاً: هل رؤية سايتو مرغوبة أصلاً؟
وبعد تحليله لمفهوم الرغبة وعلاقته بالرأسمالية ومناقشة الحلول التي يطرحها سايتو، ينتهي جيجك إلى عدم قدرة مشروع سايتو على التخلص من عواقب التحديث الرأسمالي على البيئة. ويقدم جيجك -بالمقابل-حلولاً أخرى، أولها: الإصغاء للعلم المنفصل عن الدورة الذاتية لرأس المال، وثانيها: التخلص من الفصام المعرفي بنزع السمة الطبيعيَّة عن الطبيعة.
ورغم عدم الاتفاق مع كافة آراء جيجك، فيبقى نقده لمشكلات الرأسمالية، والرؤى البديلة، وموقف البشر من الطبيعة مجالاً خصبًا للنظر والمناقشة.
د. ملاك إبراهيم الجهني
استنفروا.. لتباطؤٍ حقيقي!
سلافوي جيجك
كما أثبت كوهي سايتو بشكلٍ قاطع في إسهامه الرائد في الماركسية البيئية، فإن السبيل الوحيد لتحقيق تقدم حقيقي اليوم هو وضع مفهوم التقدم ذاته موضعَ تساؤل؛ ذلك المفهوم الذي لا يُهيمن على أيديولوجيتنا فحسب، بل على تفاصيل حياتنا المعيشة. تأملوا فقط في الأوكسيكودون، وهو مسكن للألم يُصرف بوصفة طبية، وينتمي لعائلة الأفيونات كالمورفين والكودايين والميثادون. كان شكلُه الأكثر رواجًا هو أوكسيكونتن (المعروف بأوكسي)، الذي طُوِّر عام 1995 ليوفر راحة طويلة الأمد من الألم، كي لا يُضطر المصابون بآلام حادة لتناول الحبوب على نحو متكرر. إلا أنه وُصف على نطاق واسع وارتبط بمشكلات سوء الاستخدام والإدمان: فعند سحق القرص، يتحرر العقار في الجسم بسرعة أكبر، ما يُضاعف من مفعوله. وبمجرد انتهاء براءة اختراع الأوكسيكونتن، غصّت الأسواق بمنتجات مشابهة له.
والأوكسيكودون ليس عقارًا جديدًا؛ فقد اكتُشف في ألمانيا عام 1917، واستخدمه النازيون على نطاق واسع لجعْل جنودهم صامدين أمام الألم والمعاناة خلال الحرب العالمية الثانية (حتى إنّ موريل، طبيب هتلر الخاص، كان يعطيه لهتلر بانتظام). هذا العقار هو أقرب ما يكون لتمثُّل السلعة الرأسمالية المثالية: فهو فعّال، أي يفي بما يَعِد به (قتل الألم)، لكنه يسبب إدمانًا شديدًا وآثارًا جانبية حادة. (وفي قضية الأوكسيكودون تفوّق الاتحاد الأوروبي على الولايات المتحدة؛ إذ شدد على أن يقتصر استخدامه على مرضى السرطان في مراحلهم الأخيرة فقط). وبناءً على ذلك، يُكثّف الأوكسيكودون منطق الرأسمالية في أسوأ صورها وفي أكثرها كفاءة في آنٍ واحد؛ وأي مفهوم إيجابي للتقدم اليوم يجب أن يجد سبيلًا لإقصاء التداول الحر لمنتجات كهذه من السوق.
ما نعنيه هنا هو ضرورة التفكير بعقلية هيجل: فالتقدم ليس مجرد اقتراب خطي من هدف محدد مسبقًا؛ إذ إن كل خطوة للأمام تستحق وصف التقدم لا بُد أن تتضمن بالضرورة إعادة تعريف جذري لمفهوم التقدم العالمي نفسه. إن أسوأ ما قد يحدث هو أن نسمح لخصوم التقدم الحقيقي بتحديد ملامح ما يُعدّ تقدمًا. ولهذا السبب، يجب علينا رفض مفهوم التقدم الذي يفرض نفسه اليوم، المتمثل في ضرورة «تحديث» اليسار عبر التخلص من قضاياه القديمة كصراع الطبقات. وهكذا، في يوم الأحد 24 سبتمبر 2023، انتخب حزب سيريزا المتداول السابق في غولدمان ساكس، ستيفانوس كاسيلاكيس، رئيسًا جديدًا له. كاسيلاكيس الذي كان يقيم في ميامي هو ابن لمالك سفن ومدير تنفيذي لشركة شحن، بكل ما يحمله ذلك من ثقل رمزي في اليونان. إنه عصري، أعلن بصراحة أن دخوله المعترك السياسي ليس سوى محطة عابرة بين أعماله التجارية السابقة والقادمة.. باختصار، لقد اندمج الحزب تمامًا في الفضاء ما بعد السياسي «الحديث» ؛ مسمارٌ آخر في نعش اليسار التقليدي1.
وبما أن الرأسمالية العالمية اليوم تتحدد حتى الآن بهيمنة القوى الغربية، فإن كثيرين (وليس فقط خارج الغرب المتقدم) يروْن في مجموعة بريكس علامةً على التقدم، ولكن، هل هي كذلك حقًّا؟ صوّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف -في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2023- جهود الدول الغربية للتشبث بنفوذها المفرط في الشؤون العالمية كمساعٍ محكومٍ عليها بالفشل.
يقول لافروف: «لقد سئم بقية كوكب الأرض من هذا الوضع، ولم يعودوا يطيقون العيش تحت رحمة أي طرف آخر». وأوضح أن هذا يتجلى في نمو مجموعات مثل بريكس؛ تحالف الاقتصادات النامية الذي يضم حاليًّا البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، والذي دعا مؤخرًا الأرجنتين ومصر وإثيوبيا وإيران والسعودية والإمارات للانضمام إليه العام المقبل. وأضاف: «إن مستقبلنا يتشكل من خلال صراع؛ صراعٍ بين أغلبية عالمية تنحاز للتوزيع العادل للمكاسب والتنوع الحضاري، وبين قلة قليلة تشهر أساليب الاستعمار الجديد للإخضاع، سعيًا للحفاظ على هيمنتها التي بدأت تفلت من بين أيديها».
فالادعاءُ إذًا هو أننا بوجود بريكس، لا نحصل على كتلة أخرى تعارض الكتلة الغربية المهيمنة فحسب، بل على نسخة جديدة من حركة عدم الانحياز؛ تعدديةٌ من ثقافات مختلفة تتعايش بسلام وتتعاون من أجل مصلحة عالمية... ولكن، أي نوع من التقدم هذا؟ فبرغم كل الفظائع التي ارتكبها، وضع التنوير الغربي معايير معينة فتحت المجال أيضًا للنقد الذاتي. وبدون هذه المعايير، ستصبح دولٌ مثل أوغندا (التي جرّمت المثلية الجنسية مؤخرًا)، وإيران (التي سحقت للتو انتفاضة كبرى قادتها حقوق المرأة)، وأفغانستان (بإرهابها الأصولي)، وكوريا الشمالية؛ مجرد أجزاء مما يسمى «التنوع الحضاري» المناهض للاستعمار.
المفارقةُ هي أن الفكرة الأكثر ثورية عن التقدم الحقيقي تأتي من كوهي سايتو، الذي تحاول ماركسيته البيئية التخلص من الجانب «التقدمي» (بمفهومه التقليدي) في نظرية ماركس -التي ترى الشيوعية مشروعَ نمو بلا حدود- واستبدالها بفكرة «شيوعية تراجع النمو». ورؤية سايتو هذه متجذرة بوضوح في أصوله اليابانية؛ ألم تتخذ اليابان بالفعل قرارًا جماعيًّا فريدًا بعزل نفسها عن العالم الخارجي و«إبطاء الإيقاع» عام 1603، حين انتهت فوضى الحروب الأهلية؟ لقد تميزت فترة إيدو (بين 1603 و1868) بنظام اجتماعي صارم، وسياسات عزل، واستقرار سكاني، وسلام دائم، وكذلك انغماس شعبي في الفنون والثقافة. وبرغم كل سلبيات تلك الفترة، تظل فترة إيدو حالة فريدة تُثبت كيف يمكن لقرار سياسي واعٍ كبير أن يحدد مسار تطور المجتمع - وهو الأمر الذي نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى.
ألا نلمسُ شيئًا شبيهًا بهذا في يابان اليوم؟ حيث تكثرُ العلاماتُ على سأم الناس من الاستنفار الإنتاجي المجنون، وتفضيلهم لإيقاع حياةٍ أبطأ، يفسحُ مجالًا لملذات ثقافية أكثر عمقًا. إن آثار هذه الرغبة في إبطاء الإيقاع نجدها حتى في ‘هوليوود’؛ تذكّروا فيلم الساموراي الأخير (2003)، قصة الكابتن الأمريكي نيثان ألغرين (الذي لعب دوره توم كروز)، الذي قادته صراعاته الشخصية والعاطفية للقاء محاربي الساموراي في أعقاب إصلاح ميجي في القرن التاسع عشر. يقرر ألغرين المشاركة في تمرد ساتسوما عام 1877 ضد تغريب اليابان. وقد كتب تود مكارثي في مجلة فارايتي أن الفيلم يكتفي بـ«إعادة تدوير المواقف المألوفة حول نبل الثقافات القديمة، وتدمير الغرب لها، وعقدة الذنب الليبرالية، وجشع الرأسماليين الدائم». وفي نهاية الفيلم، وبعد سحق التمرد، يطلب ألغرين من الإمبراطور أن يتذكر التقاليد التي حارب الساموراي وماتوا من أجلها، فيُدرك الإمبراطور أنه بينما يجب على اليابان أن تتحدث، إلا أنها لا يمكن أن تنسى ثقافتها وتاريخها؛ وهي صيغةٌ أكثر غموضًا وإشكالية مما تبدو عليه، لأنها تشير أيضًا إلى ‘التحديث المحافظ’ الذي يميز الفاشية.
لكنَّ تقاطع الفيلم مع نظرية سايتو يتوقف هنا؛ فهدفُ سايتو ليس منع صعود الحداثة الرأسمالية، ولا محاولة دمجها مع قيم وممارسات اجتماعية محافظة، بل تقديم بديلٍ مغاير للعواقب البيئية والاجتماعية المدمرة للتحديث الرأسمالي المنفلت. إن «شيوعية تراجع النمو» هي في الواقع تسميةٌ مضللة؛ فسايتو لا يدعو إلى مشروع تقشف جديد، بل يقصد بكلمة «تراجع النمو» معنىً دقيقًا، وهو: رفض الاندفاع غير المشروط نحو التقدم التوسعي الذي طبع حتى فكر ماركس نفسه:
«في مرحلةٍ معينة من تطورها، تدخل قوى الإنتاج المادية في المجتمع في صراعٍ مع علاقات الإنتاج القائمة -أو بالتعبير القانوني عن الشيء نفسه- مع علاقات الملكية التي كانت تعملُ في إطارها حتى ذلك الحين. فبعد أن كانت هذه العلاقات أشكالًا لتطور قوى الإنتاج، تتحول فجأة إلى أغلالها. وعندها تبدأُ حقبةُ الثورة الاجتماعية. ومع تغير الأساس الاقتصادي، تتغيرُ كُلُّ البنى الفوقية العريضة، عاجلًا أم آجلًا».
وبالنسبة لماركس، ينطبق المنطق نفسه على الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية؛ إذ يصبح هذا الانتقال ضرورةً عندما تتحول العلاقات الرأسمالية إلى عائقٍ أمام التطور المستقبلي لقوى الإنتاج... غير أن سايتو، في قراءته الشهيرة لماركس، يُثبت أنه ابتداءً من عام 1868، تخلى ماركس عن هذا النهج التقدّمي وركز أكثر فأكثر على كيف يشكل الاستغلال الرأسمالي المتوحش للطبيعة تهديدًا لبقاء البشرية ذاته. لا يداهنُ سايتو هنا: المشكلة هي الرأسماليةُ كمنظومة. وهو يدرك جيدًا أن قضية البيئة اليوم باتت جزءًا من الأيديولوجيا الرأسمالية السائدة؛ فالجميع (تقريبًا) يكتفي بتقديم وعودٍ جوفاء بشأنها. لهذا السبب، ليس هدف سايتو الرئيس من ينكرون الاحتباس الحراري علانية، بل دعاة «النمو المستدام»، الذي يمثل المبدأ التنظيمي المركزي للاستجابات العالمية لتغير المناخ. وينتقد سايتو بشكل خاص «أهداف التنمية المستدامة»2، واصفًا إياها بـ «أفيون الشعوب الجديد»؛ فهي تنكر الحقيقة الصارخة المتمثلة في استحالة تحقيق هذه الأهداف في ظل نظام رأسمالي.
بدلًا من ذلك، يدعو سايتو إلى تراجع في النمو؛ وهو إبطاءُ النشاط الاقتصادي عبر إصلاحٍ ديمقراطي للعمل والإنتاج، يشمل: الانتقال إلى اقتصاد القيمة الاستعمالية في مواجهة مجتمع الوفرة؛ وخفض الانبعاثات الكربونية عبر تقليص ساعات العمل لرفع جودة الحياة؛ وإلغاء تقسيم العمل لصالح مزيد من الإبداع والمعنى؛ وإضفاء الطابع الديموقراطي على العمل بحيث تُترك القرارات للمستفيدين الحقيقيين؛ وتقدير الأعمال الأساسية -كالرعاية والاهتمام- مقابل الوظائف الزائفة. ومن ثَمَّ، فإن تراجع النمو الماركسي البيئي يقتضي التخلص من بعض قطاعات الإنتاج (كالأسلحة والدعاية وغيرها)، والحدّ الجذري من فروع أخرى (كالسيارات الفردية مثلًا)، ولكنه يقتضي أيضًا نمو بعض الأنشطة (كالتعليم، والرعاية الصحية، والإسكان اللائق، والبنية التحتية للمياه والكهرباء في المناطق أو البلدان الفقيرة). وهنا، تبرز بعض المشكلات؛ أولًا، يرى سايتو...
«فهو يتبنى رؤيةً تقوم على مبادرات تعاونية على مستوى البلدية المحلية كبديلٍ للرأسمالية ومركزية الدولة. غير أنه من الصعب رؤية كيف يمكن لاشتراكية سايتو البلدية أن تشلَّ حركة التراكم الرأسمالي، كما ليس من الواضح كيف يمكن لهذه المبادرات المحلية أن تقدم بديلًا متماسكًا إذا كانت العلاقات فيما بينها محكومةً بآليات السوق؛ أي بعبارة أخرى: في ظل غياب شكلٍ من أشكال التخطيط المركزي. إن الاشتراكية البيئية تتطلب ما هو أبعد بكثير من المبادرات التعاونية أو البلدية؛ إنها تقتضي تخطيطًا مركزيًا يُدار ديمقراطيًا».
للوصول إلى الهدف الذي رسمه سايتو، لا بدَّ من اتخاذ إجراءات مركزية صارمة، بل حتى ديكتاتورية. والمفارقةُ هنا هي أننا لكي نتباطأ فعليًا، سيتعين علينا الاستنفار بطريقةٍ غير مسبوقة. يدرك سايتو حاجتنا إلى إعادة الاعتبار لفكرة التخطيط، لكنَّ هذا التخطيط يجب أن يكون بمعناه الأقوى والأعمق مما يتصوره هو. ويكفي أن نفكر في الإجراءات العالمية الصارمة والضرورية لمواجهة الاحتباس الحراري، والهجرة، ومخاطر الحروب، ناهيك بفخاخ الرقابة الرقمية المتفجرة التي تهيمن على تفاصيل حياتنا اليومية.
المشكلة التالية التي يبدو أن سايتو يتجاهلها هي كيف أن الرأسمالية العالمية نفسها -وفقًا لأحدث الاتجاهات- بدأت تغير بنيتها الأساسية إلى حدٍّ يجعل من المشكوك فيه ما إذا كان ينبغي استمرار تسميتها برأسمالية من الأصل. أو على حد تعبير يانيس فاروفاكيس: «لقد ماتت الرأسمالية، وحلَّ محلها شيءٌ أسوأ بكثير». يسمي فاروفاكيس هذه الحقبة الجديدة بالإقطاع التكنولوجي. والسؤال الآن: هل لا يزال مفهوم الرأسمالية الذي يرتكز عليه سايتو قادرًا على تغطية ظواهر هذا الإقطاع الجديد؟
أما المشكلة الثالثة وهي الأكثر إلحاحًا: هل الرؤية التي يتخيلها سايتو لمجتمع المستقبل مرغوبةٌ أصلًا؟ مرغوبةٌ بالمعنى البسيط الذي يجعل غالبية الناس يرون العيش فيها مُرضيًا؟ يتخيل سايتو مجتمعًا يتم فيه تجريد الرغبة من ‘فائضها الفطري’ وتكتفي بذاتها عبر التخفف الإرادي؛ وهو بهذا يقترب من الموقف الذي تتبناه البوذية، حتى في الجانب الاقتصادي. فكما يردد أنصار الاقتصاد البوذي بلا كلل، لا تدعو البوذية إلى الزهد التقشفي في ملذات الدنيا، بل إلى المقدار المناسب بين الغنى والفقر، وبين الفردية والروح الجماعية؛ فالغنى جيدٌ إذا كان يخدم رفاهنا الجماعي. ولا يشير المفهوم البوذي للمقدار الصحيح (أو القدر الكافي تمامًا) إلى الأفراد فحسب، بل يهدف إلى عدم إيذاء الذات أو الآخرين؛ والآخرون هنا ليسوا البشر فقط، بل كل الكائنات الحية. وعلى نقيض الفردانية الغربية، تتبنى البوذية نهجًا شموليًا: فرفاهي يعتمد على رفاه الآخرين من حولي، وعلى تبادلٍ متوازن مع الطبيعة. لذا، ليس من المفاجئ أن يدعو الاقتصاد البوذي إلى رغبةٍ مقيدة ومحدودة، رغبةٍ تضبطها الروح وتنزع عنها طابعها الفائض؛ فهو يرتكز على التمييز بين الرغبات الحقيقية والرغبات الزائفة. فالرغبات الزائفة هي التوق للملذات عبر استهلاك الأشياء الحسية أو امتلاكها، وهي بطبيعتها لا تُشبع أبدًا. أما الرغبات الحقيقية فهي التوق إلى الرفاه، ولتحقيق هذا الرفاه، يجب على العقل العقلاني أن ينظم الرغبات الحسية ويحتويها. وهكذا نصل إلى التضاد بين الرغبات الحسية اللامحدودة وبين الرغبة الروحية في الرفاه:
«قد يُشبع الاستهلاك الرغبات الحسية، لكن غايته الحقيقية هي تحقيق الرفاه. فعلى سبيل المثال، يعتمد جسدنا على الغذاء من أجل التغذية؛ ومن ثم فإن استهلاك الطعام هو ضرورة لتحقيق الرفاه. ومع ذلك، يمثل تناول الطعام بالنسبة لغالبية الناس وسيلةً لتجربة المتعة أيضًا. فإذا ما نال المرء طعمًا لذيذًا أثناء استهلاكه للطعام، يُقال حينها إنه قد أشبع رغباته».
ومن منظوري اللاكاني، هنا تحديدًا تبرز الإشكالات؛ فما تهدف إليه البوذية هو رغبةٌ مجردة من فائضها الذي يجعل منها رغبةً بشرية، ومتعةٌ مبرأة من زيادتها الفطرية. فحين نأكل، نحن لا نفعل ذلك (تقريبًا) من أجل رفاهنا الروحي طويل الأمد؛ بل نفعله من أجل لذة الأكل ذاتها، و هذه اللذة هي ما تجعلنا بشرًا، ليس الخضوع لغاية أسمى. ولنتذكر هنا مثال لاكان عن الرضاعة الطبيعية: يمص الطفل الثدي للحصول على الغذاء (الحليب)، لكن تكرار فعل المص سرعان ما يتحول إلى المصدر الحقيقي للمتعة، بحيث يُدفع الطفل إليه متجاوزًا حدود إشباع حاجاته. والأمر نفسه ينطبق بوضوح أكبر على الجنس: فنحن لا نمارسه (تقريبًا) لتحقيق غايته الطبيعية (التكاثر)، بل من أجل المتعة التي يمنحها. إننا نصبح بشرًا تمامًا عندما يترك الجنس غايته الطبيعية خلفه ويتحول إلى غايةٍ في ذاته. ومن الخطأ تمامًا وصف هذا التحول بأنه استسلامٌ لشهواتٍ حسيةٍ بلا حدود؛ فالجنس المكثف كغايةٍ في حد ذاته، والمنفصل عن غايته الطبيعية، هو -على الأرجح- تجربتنا الميتافيزيقية الأكثر بدائية: حيث تتحول لذتنا الحسية إلى تجربةٍ في بُعدٍ آخر، بُعدٍ يتجاوز الواقع المادي المباشر.
لذا، يتعين علينا قلبُ الآية في التضاد القائم بين الرغبات الزائفة اللامحدودة التي لا تجلب سوى المعاناة، وبين الرغبة الروحية الأصيلة في الرفاه؛ فالرغبات الحسية في حد ذاتها معتدلةٌ ومحصورةٌ في أهدافها المباشرة، ولا تصبحُ غير متناهيةٍ ومدمرةً للذات إلا حين تبتلى بالروحانية. ألا يُعدُّ ذلك شكلًا من أشكال الشر؟ ربما، ولكن كما أدرك شيلينج قديمًا، فإن الروحانية وحدها هي التي تدمر ذاتها في شوقها إلى اللانهائي؛ ولهذا السبب فإن الشر هو روحيٌّ أكثر بكثير من واقعنا الحسي. وبعبارة أخرى: ليست المركزية الذاتية هي أصل الشر، بل على العكس هي الروحانية المدمرة للذات والمنحرفة التي قد تدفعنا حتى للتضحية بحيواتنا. هذا البعد يغيب عن الاقتصاد البوذي؛ ولهذا السبب يميل هدفه المعلن المتمثل في المقدار المناسب -عند محاولة تطبيقه فعليًا- إلى الانتهاء بشكل من أشكال الفاشية الناعمة (وإن لم تكن كذلك دائمًا).
يقودنا هذا إلى الطبيعة الاستثنائية للرأسمالية؛ حيث قدم تود ماكجوان تفسيرًا لاكانيًّا لسرّ صمودها، معترفًا بجرأة بأن الرأسمالية -بمعنى (دقيق للغاية)- تتوافق بالفعل مع الطبيعة البشرية. فخلافًا للنظم الاجتماعية السابقة التي كانت تُحجّم مفارقة الرغبة الإنسانية وتفترض أنها تسير في خطٍ غائيّ مستقيم (بمعنى أننا نسعى نحو هدف نهائي، سواء كان السعادة أو أي نوع آخر من التحقق المادي أو الروحي، ونطمح لإيجاد السكينة والرضا عند تحقيقه)، تُعد الرأسمالية النظام الاجتماعي الأول والوحيد الذي يدمج في صميم عمله المفارقة الأساسية للرغبة البشرية. ولهذا السبب، فإن اختلال النظام هو ما يعرّف الرأسمالية: فهي لا تزدهر إلا من خلال تقويضها المستمر لذاتها وتثويرها الدائم لبنيتها. والمفارقة هنا هي أننا نرغب في ذلك الفائض الذي ينفلت من كل موضوع، فإن ميلنا نحو اللذة والرضا يدفعنا دومًا للتضحية بالمسرات المتاحة حاليًّا من أجل مسراتٍ مستقبلية. في الرأسمالية، تتصالح اللذوية مع الزهد. وبمجرد دخولنا في دوامة الرأسمالية، لا سبيل للعودة؛ ولهذا السبب، وبدلًا من السعي للعودة إلى نسخة ما من الإنسجام الفطري مع الطبيعة، يتعين علينا فعل العكس تمامًا: أي نزع الصفة الطبيعية عن الطبيعة ذاتها3.
المصدر الحقيقي للإشكالات ليس «الحدث الأهم الذي أثر في الثقافة الغربية خلال القرون الأخيرة»؛ أي انهيار العلاقة بين الإنسان والطبيعة وتراجع الثقة بينهما. بل على العكس تمامًا: إن «علاقة الإيمان بالواقع ذاتها» هي العائق الأساسي الذي يمنعنا من مواجهة الأزمة البيئية في أكثر صورها جذريّة. وبعبارة أخرى، فإنه من قصر النظر -حيال احتمالات وقوع كارثة بيئية- أن نعزو عدم تصديقنا لوقوعها إلى تشبع عقولنا بالأيديولوجيا العلمية، التي تدفعنا لاستبعاد المخاوف السليمة لعقلنا الجمعي؛ أي ذلك الشعور الفطري الذي يخبرنا بأن ثمة خطأً جوهريًا يشوب الموقف العلمي التقني.
المشكلةُ أعمقُ من ذلك بكثير؛ فهي تكمن في عدم موثوقية عقلنا الجمعي ذاته، والذي -بحكم اعتياده على نمط حياتنا المعتاد- يجد صعوبةً بالغةً في التصديق حقًّا بأن مجرى الواقع اليومي يمكن أن يضطرب. إن موقفنا هنا هو موقف الانفصام المعرفي: «أنا أعلم جيدًا (أن الاحتباس الحراري يهدد البشرية جمعاء)، ولكن مع ذلك... (لا يمكنني حقًا تصديق ذلك). يكفي أن أنظر إلى بيئتي التي اعتادها عقلي: العشب الأخضر والأشجار، حفيف الرياح، شروق الشمس... هل يمكن للمرء حقًا أن يتخيل اضطراب هذا كله؟ تتحدثون عن ثقب الأوزون -لكن مهما أطلتُ النظر في السماء، لا أراه! كل ما أراه هو السماء ذاتها، بزُرقتها أو رماديتها!». لذا، فإن المهمة الأخلاقية الصعبة تكمن في «مراجعة» أبسط إحداثيات انغماسنا في عالمنا الـمُعاش؛ فما كان يُعدُّ دومًا مرجعًا للحكمة (ذلك الثبات المبدئي في إحداثيات عالمنا الخلفية) أصبح الآن هو مكمن الخطر. لقد حان الوقت لكي «ننضج» حقًا، ونتعلم كيف نقطع هذا الحبل السري الأخير الذي يربطنا ببيئتنا.
كانت غريتا ثونبرج محقةً حين طالبت السياسيين بالإنصات إلى العلم. وهكذا يبدو قول فاغنر: «داوها بالتي كانت هي الداءُ» صالح من جديد لزمننا هذا. فالتهديدات الحالية ليست خارجية (طبيعية) في المقام الأول، بل هي تهديداتٌ ذاتية المنشأ؛ خلّفها النشاط البشري المتغلغل في العلم (مثل التبعات البيئية لصناعاتنا، أو التبعات النفسية للهندسة الحيوية غير المنضبطة، وغيرها). وبناءً عليه، فإن العلوم هي في آنٍ واحد: مصدر المخاطر، والوسيلة الوحيدة المتاحة لنا لاستيعاب هذه التهديدات وتحديد معالمها. وحتى لو ألقينا باللوم على الحضارة العلمية-التقنية في حدوث الاحتباس الحراري، فإننا نحتاج إلى العلم ذاته، ليس فقط لتحديد نطاق التهديد، بل في أحيان كثيرة لإدراكه أصلًا. إن ما نحتاج إليه ليس علمًا يُعيد اكتشاف جذوره في حِكمة ما قبل الحداثة؛ فالحكمة التقليدية هي تحديدًا ما يعيقنا عن إدراك التهديد الحقيقي للكوارث البيئية، لكونها تخبرنا «حدسيًا» بأن نثق بأمنا الطبيعة بوصفها الأرضية الثابتة لوجودنا. بيد أن هذه الأرضية الثابتة هي بالضبط ما قوضته العلوم والتقنيات الحديثة. لذا، نحن بحاجةٍ إلى علمٍ منفصلٍ عن القطبين معًا: عن الدورة الذاتية لرأس المال، وعن الحكمة التقليدية؛ علمٍ يستطيع أخيرًا الوقوف على قدميه. وما يعنيه ذلك هو أنه لا عودة للشعور الأصيل بوحدتنا مع الطبيعة: فالسبيل الوحيد لمواجهة التحديات البيئية هو القبول التام بنزع الصفة الطبيعية عن الطبيعة جذريًّا.
فضاء ما بعد السياسي (Post-Political): مفهوم ركز عليه سلافوي جيجك (مستندًا إلى أعمال شانتال موف وإيتيان باليبار)؛ ويقصد به تحول السياسة من صراع حول المبادئ والعدالة الاجتماعية إلى مجرد «إدارة تقنية» تشبه إدارة الشركات، حيث يُستبدل القائد الذي يحمل قضية بـالخبير، وتصبح الانتخابات مجرد مفاضلة بين أنماط حياة لا بين مشاريع سياسية حقيقية. (المترجمة)
هي مجموعة من 17 هدفًا وضعتها الأمم المتحدة في عام 2015، واتفقت عليها 193 دولة. الهدف منها هو معالجة التحديات العالمية الكبرى بحلول عام 2030. لذا يُطلق عليها أحيانًا «أجندة 2030». (المترجمة)
يُعرّب مصطلح (Hedonism) بـ «مذهب اللذة» عند نجيب الحصادي و وترجمها البعض كذلك بـ«المذهب اللذوي» أو «اللذوية» واخترت اللذوية لرشاقتها اللغوية وقدرتها على تكثيف المعنى في كلمة واحدة.(المترجمة)


