العلوم الإسلامية والغرب: حالة من النسيان الجمعي
ربما يملك كثير منا قصصًا متشابهة في علاقته بتاريخ العلوم العربية الإسلامية، أو بشكل أوسع تاريخ «الحضارة» العربية الإسلامية، فنحن نكتشف في وقت مبكر من الاطلاع معالم هذه الحضارة وجزءًا من مديونية العلم الغربي، بل الحضارة الغربية لها، ثم لا تلبث أن تكشف لنا الدراسات المتزايدة عن صورة لمديونية أوسع في الإطار نفسه. وهنا ربما يخطر السؤال حول وماذا بعد؟ خاصة حين يتعلق الأمر بجمهور أوسع من المختصين بتاريخ العلم.
يقدم الكاتب، في خاتمة هذا المقال الذي تترجمه نشرة إيبوخية، جوابًا عن هذا السؤال بأن الاعتراف الغربي تحديدا بحجم هذه العلاقة بين الحضارتين يتيح إمكانية إعادة صياغة العلاقة بين الحضارتين كحضارتين متنافستين داخل منظومة ثقافية واحدة. إلا أن هذه المحاولة تثير وتصطدم بالتساؤل حول ما هو أعمق من أنماط التراكم العلمي والحضاري الذي حدث بين الحضارتين، أي إلى التغير المركزي الذي أحدثته الحداثة الغربية في نظرة الإنسان لنفسه وللكون من حوله، وإلى التغير الهائل في درجة مركزية الإله والدين والأخلاق في الاجتماع البشري الحديث.
طارق المبارك
العلوم الإسلامية والغرب: حالة من النسيان الجمعي
جوناثان ليونز
ترجمة: سمية العتيبي
{كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
الأعراف| ٣٢
«نحن الآن ننظر عبر زجاجٍ تكسوه الظلمة»
العهد الجديد
منذ أكثر من عشرين عامًا، وبينما كان كتابي الأول «أمام الله وحده: الإيمان والحرية في إيران القرن الحادي والعشرين» يأخذ طريقه إلى المطبعة، اقترح عليَّ المحرر مشروعًا جديدًا: وهو أن أدرس العلاقة بين شعراء التروبادور في العصور الوسطى وشعراء الغزل العربي، بالإضافة إلى تتبع ما بقي من آثار الثقافة الإسلامية في أعمال دانتي وسيرفانتس الأيقونية. ما العنوان المقترح للعمل؟ «كيف اخترع العربُ الغربَ».
بعد بحثي الأولي، بات جليًّا لي أن تلك التأثيرات الأدبية المبعثرة، التي تسللت عبر حدود الأندلس المسلمة إلى المناطق الحدودية في إسبانيا وفرنسا المسيحيتين، لم تكن سوى أعراضٍ لانتقال معرفيٍّ أوسع نطاقًا وأعمق أثرًا بكثير مما توقعت؛ انتقالٍ من المجتمعات المسلمة إلى نظيرتها الأوروبية. لقد كان إرثًا متغلغلًا في كل مكان، بالقدر نفسه الذي تجاهلته السرديات التاريخية السائدة.
وبعد ست سنوات، أتممتُ كتابي «بيت الحكمة: كيف غيّر العربُ وجه الحضارة الغربية» (أما العنوان المقترح سابقًا فلم ينجُ من مقصلة قسم التسويق). يربط الكتاب بين الإنجازات الفكرية والعملية الهائلة للعالم الإسلامي في العصور الوسطى، وبين حكايات الأوروبيين الشغوفين الذين ارتحلوا بحثًا عن العلوم الإسلامية؛ تلك العلوم التي ساعدت على وضع حجر الأساس لعصر النهضة، وأدت في نهاية المطاف إلى التفوق الغربي العالمي. حظي كتاب «بيت الحكمة» بقبولٍ واسع، ولا يزال يُستشهد به من قِبل الكتاب، كما أُدرج ضمن قوائم القراءة في الكليات والجامعات، وصدرت منه تراجم في اثنتي عشرة طبعة أجنبية. وبالطبع، كل هذا يبعث على الرضا والامتنان في نفس أي مؤلف.
ومع ذلك، ما زال يراودني سؤال: لماذا استدعى الأمرُ تأليف كتابٍ من الأساس عن هذا الموضوع؟ ولماذا لم أعرف -أنا والكثير من القراء المثقفين- مسبقًا عن هذا الدَّين الثقافي والفكري العميق الذي يدين به الغرب للحضارة الإسلامية؟ ولما كانت هذه المعلومة جديدة أصلًا؟
حتى أنه لم يكن من الصعب العثور على تلك الآثار الجلية للعلوم الإسلامية؛ إذ كانت منثورة كقطعِ ذهبٍ نفيسة في حقلِ مَهجورٍ يلفُّه الغموض. فبحلول القرن الثالث عشر، كانت ثروةٌ هائلة من النصوص الفلسفية والعلمية المنبعثة من مراكز حضارية مثل طليطلة وصقلية والشرق الأدنى، قد تُرجمت بالفعل من العربية إلى اللاتينية. لم تكتفِ هذه الرسائل بشرح الأعمال التأسيسية للمراجع الكلاسيكية (اليونانية) فحسب، بل قدمت الفكر العربي المبتكر إلى أوروبا التي كانت قد فقدت مراسيها الفكرية في قرون الاضطراب السياسي والاجتماعي التي تلت انهيار الإمبراطورية الرومانية. وكما تبين لاحقًا، فإن مجالاتٍ قليلةً فقط من حياة أوروبا في العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث هي التي نجت من التأثير الإسلامي.
لذا تزخر مفرداتنا العلمية والتقنية بمصطلحات ومفاهيم ذات أصول عربية؛ بدءًا من الإنبيق (alembic(، والخوارزمية (algorithm(، والسمت (azimuth(، وصولًا إلى السمت الرأسي (zenith) والصفر(zero). كما تشمل الاستعارات في المجالات البحرية والتجارية كلمات مثل أمير البحر (admiral/أدميرال)، والسلوقية (sloop/نوع من السفن)، ودار الصناعة (arsenal/ترسانة)، والتعريفة (tariff). أما السموات، فتتألق بقائمة طويلة من النجوم التي تحمل أسماءً عربية؛ بعضها مستمد من علم الفلك الكلاسيكي، والبعض الآخر من الموروث العربي التقليدي. ولعلَّ أكثرها شهرة لدى القراء العاديين هو النجم الأحمر في كوكبة ‘الجبار’ (Orion)، المعروف باسم إبط الجوزاء (Betelgeuse) -وهو تحريف لغوي للاسم العربي الأصلي الذي يعني «يد الجوزاء»، والذي اكتسب شهرة شعبية واسعة بفضل فيلم هوليوود الشهير بيتلجوس1.
وبطبيعة الحال، تجاوز هذا التأثير حدود المفردات واللغة بكثير. على سبيل المثال، هل تعلم أن نظام القيد المزدوج2 في المحاسبة انتقل إلى الغرب من الممارسات التجارية الإسلامية؟ أو أن الزراعة العربية هي التي أدخلت البرتقال، والمشمش، والقمح الصلب، والخرشوف، وغيرها من الأطعمة إلى النظام الغذائي الغربي؟ وهل كنت تعلم أيضًا أن أجهزة قياس الوقت العربية وأنظمة التقويم المتطورة ساعدت أوروبا المسيحية على تتبع أعيادها الدينية وضبط أوقات الصلاة اليومية في الأديرة والصوامع؟ بل إن نظامنا الجامعي مدين بالكثير لأسلافه من المؤسسات التعليمية الإسلامية، تمامًا كما هو حال المؤلفات الكلاسيكية الغربية التي تشكل جزءًا كبيرًا من أسسنا التعليمية.
لم يحتج الكشفُ عن هذا الحضور الطاغي والعميق للتبادل الثقافي الممتد -الذي جرى غالبًا في هدوءٍ وخلف الكواليس عبر قرون من التنافس السياسي والاقتصادي والديني- أكثر من عينٍ فاحصة، وعقلٍ منفتح، وقليل من التنقيب. وكما يقول القرآن الكريم، لا يفهم الآياتُ إلا {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} (يونس: 6)
* * *
إن حالة النسيان الجمعي التي تلفّ وعي الغرب تجاه هذا الانتقال المعرفي تظل أمرًا لافتًا ومحيرًا؛ لا سيّما أن الظروف والمسارات والشخصيات التي شاركت في هذا المشروع موثقة توثيقًا جيدًا، ومتاحة نسبيًّا لمن يبحث عنها. لقد كان نواة هذا الانتقال يتمثل في ثلة صغيرة من الأوروبيين الباحثين عن المعرفة، والذين قرروا -بدءًا من أوائل القرن الثاني عشر- التخلي عما كانت تقدمه المناهج المحلية الهزيلة، وارتحلوا إلى الأراضي الإسلامية، ليعودوا منها محملين بهدايا من الترجمات اللاتينية للنصوص العلمية والفلسفية والطبية العربية. وقد أفصح رواد إنجليز مثل أديلارد الباثي (تُوفي عام 1152) ودانيال المورلي (تُوفي عام 1210) عن دوافعهم بوضوح منذ البداية.
كان أديلارد ابن أسقفٍ بندكتي ذا نفوذ3، وقد حظي بأفضل تعليمٍ متاحٍ في عصره؛ بدأه في موطنه باث، ثم أتمّه في مدارس الكاتدرائيات الفرنسية. كما مارس فن الصيد بالصقور، وهي هواية كانت حكرًا على الصفوة الحاكمة، وكان يتمتع بحظوةٍ كافية لدى البلاط الملكي مكّنته من العزف للملكة على آلةٍ موسيقية تعد البدايات الأولى للغيتار. ومع ذلك، لم تستطع امتيازات مكانته أن تطفئ جذوة روحه المتسائلة؛ فبسبب سأمه من النزعة المحافظة و«تذبذب الآراء الفرنسية»، قرر شدّ الرحال «لاستكشاف علوم العرب».
تفاصيل رحلة أديلارد من وإلى الشرق الأدنى شحيحة، حتى وإن كان من الممكن الحصول على بعض الإشارات المتناثرة في كتاباته. إلا أننا لا نعرف أين أتقن اللغة العربية، ولا إلى أي مدى بَلغ تمكُّنه منها، كما تظلُّ هوية أساتذته لغزًا غامضًا إلى حد كبير. إلا أنه في ثنايا إحدى مروياته يذكر أنه انتهى به المطاف في إمارة أنطاكية الصليبية؛ حيث شهد زلزالًا كبيرًا أرّخه العلم الحديث بـالتاسع والعشرين من نوفمبر عام 1114م، أي بعد خمس سنوات تقريبًا من انطلاق أديلارد في أولى رحلاته.
عاد أديلارد إلى وطنه لاحقًا متدثرًا بعباءة خضراء وعمامة كان قد اتخذهما زِيًّا له، ومسلحًا بكنوزٍ معرفية لا تُقدر بثمن؛ منها نظام إقليدس الهندسي، وجداول مفصلة لحركات النجوم، ودليلٌ حول كيفية استخدام الأسطرلاب،ذلك الجهاز الحسابي البارع الذي ابتكره اليونانيون وبلغ ذروة إتقانه على يد العرب، بالإضافة إلى كتابٍ يضم وصفات كيميائية لتلوين الزجاج ودباغة الجلود وغيرها من العمليات الكيميائية.
كما قدّم أديلارد أعمال المنجّم الفارسي أبو معشر البلخي؛ تلك النصوص المعقدة والقائمة على معارف يونانية وهندية وفارسية، والتي كانت بمثابة إحدى البوابات التي عبرت من خلالها أوروبا نحو علوم أرسطو الحقيقية. ورغم أن التنجيم فقد مصداقيته منذ ذلك الحين، وغاب اسم أبو معشر بلاتينيته المحرفة «ألبوماسر» (Albumazar) عن كتب التاريخ إلى حد كبير، إلا أن أعماله ساعدت على إرساء رؤية غربية ناشئة للكون؛ باعتباره كيانًا خاضعًا لقوانين مفهومة، أو بمعنى آخر: قوانين علمية.
أمضى أديلارد ما تبقى من حياته في إنجلترا، عالمًا مرموقًا وسفيرًا للمعارف العربية، ومصدر إلهامٍ لجيلٍ جديد من المغامرين يتوقون للسير على خطاه.
وعلى خُطى ابن جلده؛ تمرد دانيال المورلي هو الآخر على الجمود المستعصي، بل الجهل أيضًا الذي اتسم به أساتذته في أوكسفورد وجامعة باريس، قبل أن يشد الرحال نحو الأندلس. وعن تلك التجربة يقول: «لقد بلغ أولئك الأساتذة من الجهل الحد الذي جعلهم يقفون ساكنين كالتماثيل، متظاهرين بالحكمة عبر التزام الصمت... ولما كانت المعارف العربية في هذه الأيام تُتداول ويُحتفى بها على نطاق واسع في طليطلة؛ لذا هرعتُ إلى هناك لأستمع إلى أكثر فلاسفة العالم حكمة».
يخبرنا دانيال أنه عاد إلى إنجلترا ومعه «ذخيرة ثمينة» من الكتب العربية، تتصدّرها كتب الفلك. حيث كان ذلك بطلب من الأسقف جون أوف نورتش، الذي كان هو الآخر من طُلاب علم النجوم، وقد وضع دانيال واحدةً من أولى الدراسات الأوروبية الجامعة في علم الكونيات، حيث استمد جُلَّ مادتها من القراءات العربية لفلسفة أرسطو.
شكلت تلك الشخصياتٌ الرائدة جِيلًا جديدًا من العلماء الذين أفرزتهم تحولاتٌ اجتماعية واقتصادية وسياسية بدأت ملامحها تتشكل في القرن العاشر؛ ولا سيما نمو الاقتصاد القائم على النقد وصعود المراكز الحضرية والمدن، وهي عوامل أخذت تزيحُ النظام الإقطاعي القديم عن عرشه. وسرعان ما تضافرت الجهود لتنشأ صناعةٌ محلية تخصصت في جمع النصوص العربية من الأقاليم التي كانت خاضعة للحكم الإسلامي في الأندلس وصقلية وبلاد المشرق. وبواسطة فِرَقِ عملٍ متعددة الأعراق، نُقِلت هذه النصوص إلى اللاتينية -لغة العلم المشتركة في أوروبا- لتُرسَل بعدها إلى مدارس الكاتدرائيات والجامعات في فرنسا وإنجلترا وإيطاليا.
ضَمَّت هذه الذخيرة الثمينة جَبْرَ الخوارزمي، وكيمياء جابر بن حيان في بواكيرها، والمعارف الطبية للموسوعي الفارسي ابن سينا، وعجائب الجزري الهندسيّة، بالإضافة إلى الابتكارات النظرية في علم الفلك الرياضي التي قدّمها نصير الدين الطوسي وغيره من علماء مرصد مراغة فيما يُعرف اليوم بغرب إيران.
وعلى النحو ذاته، أشعلت الشروحُ العظيمة التي وضعها ابن رشد -العالم المسلم الأندلسي المعروف في اللاتينية باسم (Averroës)- شرارةَ الاهتمام الغربي بأعمال أرسطو وأفلاطون وغيرهم من كبار المفكرين، بعد أن طواها النسيانُ طويلًا. ولم يتردد روجر بيكون -الفيلسوف والمصلح التعليمي البارز في العصور الوسطى- في الاعتراف علانيةً بهذا الدَّين الغربي حين قال: «إنَّما تعلمتُ الفلسفة من المسلمين».
والأهمُّ من ذلك كله، هو عودةُ هؤلاء الأوروبيين المرتحلين بما قد يُعدُّ أثمنَ غنائمهم على الإطلاق: ذاك الإدراك الذي بلغه المسلمون -وفي سياقٍ توحيديٍّ لا يختلف عن سياق نظرائهم المسيحيين- ومفادُه أن العلم قادرٌ على منح البشرية رؤيةً نافذة في كنه الطبيعة دون أن يمسَّ ذلك قوى الخلق التي يستأثر بها الباري سبحانه. لذا خاطب أديلارد الباثي قُرّاءه بعد عودته من الشرق الأدنى، قائلًا: «مما لا شك فيه أن الله هو مدبّرُ هذا الكون، ولكن بمقدورنا، بل من واجبنا، أن نستقصي عالم الطبيعة؛ وهذا ما علمنا إياه العرب».
إذن، لم كل هذا الصدود الغربي عن فكرة أنَّ العلومَ والفلسفة الإسلامية أو الثقافة الإسلامية بشكل عام، قد قدَّمت أيَّ إسهامٍ ذي قيمةٍ في تشكيل رؤانا المعاصرة للعالم؟
تكمن الإجابة فيما أسميه خطاب مناهضة الإسلام، ذاك الذي تمتد جذوره إلى الدعاية الحربية في القرن الحادي عشر إبّان الحملة الصليبية الأولى. لقد قدم التأطير الأول لهذا الخطاب الثقافة الإسلامية لجمهورٍ يجهلها باعتبارها صورة عاكسة أو نقيضًا للقيم والمبادئ الغربية؛ فبينما اتسم المسيحيون بطبيعتهم بالمسالمة والمحبة، وُصم المسلمون بالعنف والكراهية. وبينما مثّلت المسيحية الحق، بشّر الإسلام بـالضلال. وبينما عُرِف المسيحيون بالعفة، نُسِب للمسلمين الفسق والمجون. بل قُدِّم النبي محمد بأوصاف شتى؛ فتارة هو كاردينال مارق، وتارة أخرى مبتدع ضليل، وصولًا إلى تصويره كـالمسيح الدجال.
وفي بادرة مبكرة لما سيغدو لاحقًا خطابًا غربيًا راسخًا، طمأنَ المؤرخ الصليبي غيبير دي نوغنت قرّاءه بأنه لا حاجة لمعرفة حقيقية بالمسلمين من أجل النيل منهم؛ إذ قال: «مِن المأمونِ أن نذمَّ مَن فاقَ شرُّه كلَّ ما يمكن أن يُقال فيه من سوء». ومنذ ذلك الحين، كُيِّف هذا الخطاب حَسَبَ الحاجة من قِبَل نُخَبٍ مختلفة، سعت كلٌّ منها لتحقيق مآربها السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية؛ بدءًا من حُرّاس العقيدة الكنسية في العصور الوسطى، مرورًا بالإنسانيين في العصر الحديث المبكر، وصولًا إلى فلاسفة عصر التنوير.
وعلى مدار تاريخه الذي يمتد لألف عام، ظلَّ هذا الخطاب يراوحُ بين مدٍ وجزر؛ فيخبو في فترات التعايش الحذر، ليعود للظهور بقوة كعهده دائمًا في أزمنة، مثل هذه التي نعيشها اليوم، حيث تتجدد فيها التوترات أو يندلع فيها صِدامٌ واضح مع العالم الإسلامي. وتتردد أصداؤه بوضوح على ألسنة عديد من خبراء الإسلام في وسائل الإعلام والسياسة والأوساط الأكاديمية الغربية؛ أولئك الذين يصوّرون المسلمين كشعوب تفتقر للمنطق وتعادي العلم، وكشعوب استبدادية ترفض الديمقراطية وتناهض الحداثة، بل تنزعُ إلى العنف نزعةً لا نظير لها.
لا يُعد العلمُ الساحةَ الوحيدة التي يهيمن عليها خطاب مناهضة الإسلام، بل هو خطاب يتغلغل في صلب الرؤية الغربية للعالم برمتها. ومع ذلك، فإنَّ الصراع حول العلم، وكذلك في الحداثة ذاتها، يقدّم ربما المثال الأوضح والأيسر وصولًا على ذاك الحاجز الفكري الذي لا يزال يحول دون قيام أي فَهْمٍ دقيق ومثمر للإسلام والمسلمين. لذا، دعونا نتأمل مواقف محددة طوّع فيها هذا الخطابُ الفكرَ الغربي وزيّف رؤيته لتاريخ العلوم.
في أواخر ستينيات القرن الماضي، كان من المنطقي أن يظنَّ مؤرخ العلوم الألماني ويلي هارتنر أنه قد توصّل إلى اكتشافٍ مدوٍّ أو لنصفه بـ«المزلزل»؛ حين عثر على أدلةٍ نَصيّة تُثبت أن كوبيرنيكوس كان مطلعًا اطلاعًا مباشرًا على قرونٍ من البحوث الفلكية الإسلامية حينما صاغ نظريته الثورية، التي جعلت الشمسَ مركزًا للكون بدلًا من موطننا: الأرض.
وإذا ما أُخِذ اكتشافُ هارتنر على ظاهره، فإنه يفرضُ بالضرورة أن يعيد النظر في الأسطورة التأسيسية حول الثورة العلمية الغربية؛ ويعيد التفكير كذلك في ذاك النطاق الزمني الضيق لما يُفترض أنه العصر الذهبي للإسلام؛ بل يعيد تقييم الفكرة القائلة بوجودِ حدودٍ معرفية وثقافية -عصيّةٍ على التجسير- تفصلُ الثقافة الأوروبية عن التراث الإسلامي. فمن الواضح أنَّ وجودَ خلفيةٍ إسلامية لقصة كوبيرنيكوس من شأنه أن يقوض هذه اليقينيات الثلاثة المتجذرة، التي ترسّخت بعمقٍ في التاريخ التقليدي للأفكار.
بيد أنَّ الأعوامَ التي تلت ذلك لم تكن لطيفة باكتشاف هارتنر؛ إذ إنَّ مجردَ القول بأنَّ أجيالًا من العلماء المسلمين قد لعبوا دورًا جوهريًا في نتاج كوبيرنيكوس قد قُوبل في أغلب الأحيان برفضٍ قاطع، أو بما هو أسوأ: اعتراف ضمني في الصدور وتجاهل صارخ في العلن. ورغم البحث الدؤوب الذي قام به هارتنر ودائرةٌ صغيرة من المتخصصين الذين يشاركونه الرؤية -أولئك الذين فتحوا تدريجيًّا نوافذ جديدة على وشائج القربى بين أوروبا في مطلع العصر الحديث وعالم الإسلام- إلا أنَّ التأريخ الغربي ظلَّ يحرسُ بشراسةٍ ادعاءه باحتكار العلم، والحداثة بوجهٍ عام.
تُشكل فكرةُ الأصل الأوروبي الخالص للعلم الحديث ما يُعرف بـ «السردية الكلاسيكية»؛ وهو مصطلحٌ صاغه مؤرخ العلوم جورج صليبا من جامعة كولومبيا، والذي تقصّى وشائج القربى بين الفلكيين المسلمين وعصر النهضة الأوروبي، ولا سيما كوبيرنيكوس. وتقوم هذه السردية على ركنين أساسيين: أولهما الزعمُ بأنَّ اعتماد العلماء الغربيين انصبَّ كليًا على الاستعارة من التراث اليوناني والساساني والهندوسي، بينما صُوّر العلماء المسلمين كمترجمين وحرّاس لهذا التراث فقط، لا كمبتكرين ومساهمين فيه. وثانيهما، الادعاءُ بأنَّ جُلَّ ما تحقق من إنجازاتٍ معرفية في العالم الإسلامي قد وأدته قوى الردّة الدينية في مطلع القرن الثاني عشر، ما وضع نهايةً مباغتة لما يُسمى «العصر الذهبي» للفلسفة والعلوم الإسلامية. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد يُنظر لأيِّ نتاجٍ آخَر بوصفه جديرًا بالبحث أو النقاش.
يقبعُ خلف هذه السردية أحدُ الأركان الجوهرية للخطاب المناهض للإسلام؛ وهو الافتراضُ المسبق بأنَّ المسلمين يعادون الفكرَ العقلاني في جوهرهم، ولذا فهم على الضدِّ من الغربيين. وهذا الخطابُ هو الذي يحدد ما يُمكِنُ قولُه، والأهمُّ من ذلك ما لا يُمكِنُ قولُه بشأن الإرث المعرفي الإسلامي.
وكما حاجَّ الفيلسوفُ الفرنسي ميشيل فوكو، فإنَّه لكي يُعترف بأي مقولة كحقيقةٍ ضمن حقلٍ معرفيٍّ معين يجبُ أولًا أن تُدرج ضمن قائمة الحقائق الممكنة، ثم تخضع للمصادقة وفق القواعد المشتركة داخل ذلك الحقل. حيث قال: «باختصار، يجب على أيِّ قضية معرفية أن تستوفي شروطًا شاقة ومعقدة قبل أن تُقبل داخل حقلٍ معرفي ما»؛ وأردف قائلًا: «وقبل أن يتسنّى الحكمُ عليها بالصدق أو الكذب، يجب أن تكون...‘داخِلَ نِطاقِ الحق الممكن’».
وفيما يخصُّ تاريخَ العلوم، فإنَّ اكتشافاتِ هارتنر ببساطة لم تقع «داخلَ نطاقِ الحق الممكن»؛ ما يعني أنَّ مجردَ النظر في أطروحةٍ تقترحُ أنَّ كتابَ كوبيرنيكوس «في ثورات الأجرام السماوية» (1543) ربما اتكأ على قرونٍ من البحث العلمي الإسلامي الأصيل، وكان ولا يزال في نظر الكثيرين أمرًا يستحيل تصوره.
يزخرُ تاريخُ العلوم بنماذج قُلِّل فيها من شأنِ الإنجازات المعرفية الإسلامية وصلتها بالمعارف الغربية، أو بُرِّرَ عدمُ صلتها بها بحججٍ واهية، وربما مُحيَت تمامًا من صفحات التاريخ. وقد رسخ هذه الممارسة أولًا إنسانيو أوائل عصر النهضة، الذين تحمسوا لحجزِ مكانةٍ لهم في الجامعات الأوروبية والإدارات المدنية والكنسية والمجالات الفنية؛ وذلك عبر ادعاء صلةٍ مباشرة بتراثٍ كلاسيكي «يوناني وروماني» ألهوه، ولم يتركوا فيه مساحةً لـ«رهبانية» أسلافهم المدرسين، ولا لـ«بربرية» التعاليم الإسلامية. ولاحقًا، نادى فلاسفةُ التنوير بشكل آخر من أشكال خطاب مناهضة الإسلام؛ فنددوا بـ«الاستبداد الشرقي» و«التعصب»، في معرض ترويجهم لرؤيتهم التنويرية حول نظامٍ اجتماعي وسياسي جديد.
وبعد مرورِ أقلِّ من مئتي عامٍ على رحلات أديلارد الباثي ودانيال المورلي ورفاقهما -التي هجروا فيها مدارس الكاتدرائيات والجامعات الأوروبية سعيًا نحو المعارف العربية- وضع فرانسيسكو بترارك، الملقبُ بـأبِ الإنسانوية، حجرَ الأساس للموقفِ الرافض لتجاه العلوم الإسلامية والمبشرين بها في الغرب. حيث كتب يقول: «يصعبُ إقناعي بأنَّ أيَّ خيرٍ يمكن أن يخرجَ من بلاد العرب؛ لكنكم أيها المتعلمون وبفعلِ لوثة عقلية غريبة، تحتفون بهم بصخب هائل، وهو احتفاءٌ، إن لم أكن مخطئًا، لا يستحقونه». ولعلها من مفارقات التاريخ الصارخة أن يتباكى بترارك على «الجهل والانحطاط» التي في عصره وهو الذي يُنسب له تسميتها بالعصور المظلمة، وفي الوقتِ نفسه الذي كانت فيه العلوم والفلسفة الإسلامية تزدهرُ في بلدان لا تبعدُ عنه كثيرًا.
ولم تلبث نافذة الفهم المعرفي بل الإعجاب الصريح التي فُتحت في العصور الوسطى تجاه الدور العظيم للعلوم والفلسفة العربية أن أوصدت بعنف. فمن خلال نكران أيِّ دين فكري أو معرفي للعالم الإسلامي، ثبّت الإنسانيون مكانتَهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المرموقة بصفتهم الشارحين الحصريين للحكمة اليونانية والرومانية القديمة. ولم يعد هناك متسعٌ لتراث معرفي إسلامي في أوروبا التي كانت تُعيد صياغة هويتها بسرعة تحت راية نهضة المعارف الكلاسيكية. وجاء ما يُسمى بـعصر الاستكشاف، بما يحمله من وعودٍ بمكاسب اقتصادية وجيوسياسية وتوسعية على حساب المجتمعات غير المسيحية، لِيُسرّعَ من حدة هذا التوجه؛ ولم يتبقَّ في الأفق سوى ذاك التصور الراسخ بأنَّ المسلمين غيرُ مؤهلين البتة للمساعي العلمية العقلانية.
وتقدم قصةَ كتابة تاريخ علم الجبر على أيدي الإنسانيين في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، وكيف انبروا يعيدون كتابتَه مرارًا، مثالًا جليًا على آلية نكران الفضل تلك؛ وكيف سعى مهندسو هذه السردية لجنيِ المكاسبِ من وراء ذلك.
وكما بَيَّنَت فيلسوفةُ العلم جيوفانا سيفوليتي، فإنَّ المحاولاتِ الأولى لصياغةِ تاريخٍ مجيدٍ لعلم الجبر (وبالتالي رفع المكانة المهنية لممارسيه أعلى من مستوى المساحين البسطاء أو المحاسبين) قد أقرَّت بالفضل المباشر للمعارف العربية، حيث نَسَبَت هذه السردياتُ في مجملها نشأةَ هذا المجال إلى الخوارزمي؛ ذاك العالِم الذي اتخذ من بغداد مستقرًا له في العصور الوسطى، والذي قدم للغربَ كلمة (Algebra) عبر كتابه «الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة». (وحتى مصطلح «الخوارزمية» Algorithm، المفضل لدى وادي السيليكون وصناعة الذكاء الاصطناعي الناشئة، ما هو إلا اشتقاقٌ مباشرٌ من اسمه).
وعلى مدار العقود التالية، مُحي ذكر الأصل الإسلامي لعلم الجبر من سجلات التاريخ؛ لِينسبُه الإنسانيون الفرنسيون في البداية لليونان، عازين الفضل فيه إلى عالم الرياضيات «ديوفانتوس» (من القرن الثالث الميلادي)، قبل أن ينتهوا أخيرًا إلى ادعاء عبقريةٍ وطنية، فرنسيةٍ خالصة، في هذا المجال. وفي غمار هذه العملية، نُبذَ أيِّ أثرٍ إسلامي بوصفه عيبًا لا فائدة منه، وعائقًا بربريًّا يحول دون الفهم السليم. حتى أنَّ المنطقيَّ الفرنسي جان بوريل دعا في عام 1559 إلى استئصالِ كلمة (Algebra)؛ لأنها تذكر بالأصل العربي غير المرغوب فيه، واستبدالها بكلمة (Quadratura) اللاتينية. ومثل هذ النمطُ عينه نحو الأصل المعرفي العربي يمكن تلمُّسُه في تاريخ الطب كذلك؛ حيث كانت النصوصُ الإسلامية ركيزةً شائعة في التعليم والممارسة الغربية، قبل أن تتوارى عن الأنظار تمامًا.
لقد أسفرت هذه النزعةُ لادعاء أصالةٍ غير حقيقية عن تبعاتٍ تحيزيّة بالغة، لا يزالُ بعضُها يُلقي بظلاله على فهمنا للحقيقة حتى يومنا هذا، ومن بين هذه التبعات أنَّه من خلال محوِ أيِّ أثرٍ جوهري للفضل العربي من السجلات التاريخية، والتقليلِ من شأن ما نجا منه، ساهم الإنسانيون في بلورةِ فكرةٍ مفادُها أنَّ أجيالًا من العلماء المسلمين لم يكونوا أكثر من حرّاسٍ مؤقتين؛ لم يضيفوا شيئًا ذا قيمةٍ لِحكمة القدماء، بل ربما شوّهوا جوهرها. وهذا ما جعل تتبّعَ الإرث المعرفي الإسلامي واستعادتَه أمرًا في غاية الصعوبة.
أما ثاني التبعات، فهو أنَّ محوَ الفضل العربي قد سمحَ بتسلل أخطاءٍ علمية ومعضلاتٍ فلسفية مجددًا، كانت المدونات العلمية العربية قد حسمت أمرها وفنّدتها على مدار قرون. حيث إنَّ رفضَ الاعتراف بالطرق التي ارتقى من خلالها المسلمون بالمعارف الكلاسيكية، في علمي الفلك والجغرافيا على سبيل المثال، جعل الأوروبيين رهائنَ لتصوراتٍ خاطئة عفا عليها الزمن عن العالم المادي.
فمنذُ وقتٍ مبكرٍ يعودُ إلى القرن التاسع الميلادي، شرعَ العلماءُ المسلمون في كتابة تنقيحاتٍ جوهرية على متن المعارف الجغرافية اليونانية السائدة؛ حيث انتهى بهم الأمرُ إلى تصحيحِ إحداثياتِ ثمانيةِ آلافِ مدينةٍ وبلدةٍ ومعلمٍ جغرافي. والمثيرُ للدهشة أنَّ كثيرًا من هذه الأرقام المُعدَّلة تقتربُ بدقة مذهلة من الأرقام المتعارف عليها اليوم. وكان الدافع لهذا الاهتمام اللافت بالجغرافيا يكمنُ في مطلبين نابعين من التراث الإسلامي: الممارسة التعبدية المتمثلة في تحديد القبلة للصلاة، والواجب النبويّ العام الذي يحثُّ على طلب العلم.
أدركَ الجغرافيون والرياضيون العربُ الحاجةَ الملحّة إلى تحديد القبلة؛ حيث يصلون نحو الكعبة في مكة وإليها يُوجَّه الموتى في قبورهم، وكذلك تُنحرُ الذبائح. وبينما كان هذا يسيرًا في بواكير عهد الأمة، حين كانت مجتمعًا صغيرًا يتمركزُ في جزيرة العرب، فقد ازداد تعقيدًا مع انتشار الإسلام غربًا إلى الأندلس، وشرقًا إلى وسط آسيا والصين. كما وُظِّفت علومُ الخرائط والملاحة لخدمةِ متطلبات فريضة الحج. والمثيرُ للدهشة هنا، هو أنه على نقيضِ التجربة المسيحية في أوروبا، العلماء المسلمون لم يواجهوا أي مقاومة من مؤسستهم الدينية، حينما قدّموا حلولًا قائمة على الهندسة المعقدة وحساب المثلثات الكروي، أزاحت جانبًا الموروثاتِ الدينية القديمة وطرقَ الاستدلال التقليدية.
أما ما يتعلقُ بمحيط الأرض، وهي المسألةُ التي كانت ملحة عند الأوروبيين حين كانت فيه أساطيلُهم تَمخرُ عبابَ المياهٍ البعيدة وغير المكتشفةٍ سعيًا وراء الغزو، فقد كان القياس الكلاسيكي السائدُ أقصرَ بنسبةِ 20% من الذي وضعه المسلمون؛ ولم يُصحّح الفلكيون الغربيون هذا المقياسَ إلا في القرن السادس عشر. حتى إن الإنجازاتِ التي حققها الجغرافيون العربُ، والتي كانت قد وجدت لها موطئَ قدمٍ في السياق الغرب، تخلوا عنها في غمارِ حملة التطهير التي قام بها الإنسانيون. ففي القرن الرابع عشر، قبل راسمو الخرائط في أوروبا التعديلاتِ الإسلامية على الوصف الكلاسيكي لبحر قزوين الوارد في كتاب «الجغرافيا» لـبطليموس (عالم الإسكندرية ذائع الصيت)، والتي حددت مِحورَه الرئيس من الشمال إلى الجنوب بشكلٍ صحيح. لكن في وقت لاحق، وتحت وطأةِ مطالبةِ الإنسانيين بالاقتصار على النصوص اليونانية «الأصلية»، انتكست الخرائطُ الغربيةُ لتعودَ لخطأ بطليموس القديم الذي زعم أنَّ البحرَ يمتدُّ من الشرق إلى الغرب؛ وهو خطأٌ فنيٌّ لم يُصحح إلا في القرن الثامن عشر، أي بعد ثمانمئةِ عامٍ من تحديد العربِ للاتجاهِ الحقيقي لبحر قزوين.
وعلى نحوٍ أكثرَ عُمقًا، انتقد العلماءُ في شتّى البقاع الإسلامية العمل الموسوعي لبطليموس في علم الكونيات؛ «المجسطي» «Almagest»، الذي كُتب باليونانية نحو عام 150 ميلادية، وعُرف في العصور الوسطى قاطبةً بهذا الاسمِ ذي البصمة العربية. حيث عكفَوا هؤلاء بِدَأَبٍ على تنقيحِ أقوال بطليموس؛ بما في ذلك تصحيحُ طولِ السنة الشمسية، وإدخالُ الاستخدامِ الفعّال للدوالِّ المثلثية بدلًا من أوتار الدوائر الهندسية الأكثر تعقيدًا، كما نقدوا اعتمادَ بطليموس على أرصادٍ فلكية عفا عليها الزمن.
وفي سعيِهم الحثيث للحفاظ على تماسكِ النموذج الكلاسيكي السائد للكون، قدّموا حلولًا بالغةَ التعقيد، استقر بها الأمر في النهاية لتكون في عمل كوبرنيكوس الموسوعي، وهو الجهدُ المعروفُ منذ عهد أفلاطون بـ«إنقاذ الظواهر»4. حيث استماتوا في هذا المسعى حتى في الوقت الذي كانت فيه بياناتُهم الرصدية التي تزدادُ دقةً وتعقيدًا تُثير شكوكًا جوهرية على صحةِ ذلك النموذجِ بأكمله.
تكمن القضية في مبدأ جوهري وُضع في العصور القديمة، يقول بأنَّ الأجرامَ السماوية كافةً تتحركُ في دوائرَ تامةٍ ومنتظمة، مع بقاء الأرضِ مركزًا للكون. فقد أكَّدت سلطاتٌ معرفية متمثلة في فلاسفة كبار منهم أفلاطون وأرسطو، أنَّ الدائرةَ والكرةَ هما أتمُّ الأشكال الهندسية، ومن ثمَّ فلا يمكن للمخطط الإلهي أن يقوم على معيارٍ أدنى من ذلك. ومع ذلك، بَدَا أنَّ الأرصادَ الدقيقة على مرِّ القرون تخالف هذا الشرط. فقد شرعن بطليموس بالفعل عددًا من إصلاحات ذكية على النموذج الكلاسيكي، شملت إدخالَ محورِ دورانٍ لبعض الكواكب لا يمرُّ بمركز الكون5؛ وبذلك استطاع «إنقاذ الظواهر» عبر عكسِ ما تُظهره البيانات، ولكن كان ذلك على حساب التماسك النظري للنموذج.
بدأ قلقُ المختصين المسلمين تجاه كتاب «المجسطي» يظهر منذ القرن الحادي عشر، فيما عُرف بتقليد «الشكوك»؛ وهي الاعتراضات المنهجية على النموذج البطلمي السائد. وسرعان ما امتدَّ هذا القلقُ إلى الحقل الفلسفي، حيث انبرى أقطاب الفكر من أمثال ابن سينا وابن رشد لتفنيد القصور النظري والتناقضات المنطقية لدى بطليموس. لقد جادل هؤلاء العلماءُ بأنَّ علمَ النجوم يجب أن يكون قائمًا على التنبؤ والاتساقمعًا، وهي الركائزُ الجوهريةُ لما نعرفه اليوم بالمنهج العلمي. وبدلًا من ذلك، كان نموذج بطليموس منفصلًا تمامًا عما يراه الفلكيون بأعينهم أو يقيسونه بتقنياتهم التي تزداد دقةً يومًا بعد يوم. ومن هنا جاءت صرخة ابن رشد الشهيرة: «إنَّ الهيئةَ (هيئة الفلك) التي في زماننا هذا هي هيئةٌ لا تُوافقُ إلا الحُسْبان، ولا تُوافقُ الموجود».
ونظرًا لهذا الإصرار المستجدِّ على العودة إلى النصوص اليونانية القديمة الأصيلة، التي لم تمسَّها قرونٌ من البحث العلمي العربي، لم تكن أيٌّ من هذه التطورات المذهلة متاحةً لعلماءِ الإنسانيات أو لعلماء العصر الحديث المبكر، ولا حتى لرعاتهم في الحكومات والكنيسة والجامعات.
أما من حيثُ الأبحاث الأكاديمية في المؤسسات الرسمية الحديثة، فقد نجحَ الخطابُ الغربي، بما يفرضه من قيودٍ صارمةٍ تحولُ دون الاعترافِ بحجمِ ونطاقِ المنجزِ العلمي الإسلامي، في ردع مواصلة الأبحاثِ الواسعة في هذا الميدان. وظلَّت الدائرةُ الضيقةُ من المختصين الذين أخذوا هذا الملفَّ على عاتقهم، تعملُ في عزلةٍ وتهميش نسبيين؛ إذ نادرًا ما تلقى نتائجُ أبحاثِهم رواجًا أو قبولًا لدى زملائهم في التيار الأكاديمي السائد. لذا خلف هذا التهميش صورةً ناقصة عن تاريخِ الفكر الإسلامي؛ فتشيرُ بعضُ التقديرات إلى أنَّ مئاتِ الآلافِ من المخطوطاتِ العلمية الباقية باللغاتِ الأصلية المستخدمة في العلوم الإسلامية لا تزالُ حبيسةَ الإهمال، يتجاهلُها الباحثون المعاصرون وتظلُّ بعيدةً عن مِسبارِ الدراسة.
فما الذي يمكن أن تكشفَ عنه مراجعةٌ منهجيةٌ لمثلِ هذه المادة العلمية؟ من المؤكد أنه سيبدو تاريخَ العلوم الإسلامية مختلفًا تمامًا نتيجة لذلك. وبدلًا من ذلك، لم يتبقَّ لنا سوى شتاتٍ من أمثلةٍ مثيرةٍ للفضول لأبحاث عبقرية يتيمة؛ تظلُّ دلالاتُها وعلاقتها ببعضها، وبالتجربة الغربية غريبة على نحوٍ محبط.
ومن الأمثلةِ التي استذكرها عشوائيًّا من ملاحظاتي القديمة حول هذه الحقائق المغتربة، أو لعلَّ الأدقَّ وصفُها بـأشباه الحقائق، فَهْمُ ابن النفيس (المتوفى عام 1288) للدورة الدموية الصغرى قبل أربعمائة عام من أبحاث الطبيب الإنجليزي ويليام هارفي (المتوفى عام 1657)، الذي يُنسب إليه هذا الاكتشافُ عادةً؛ وكذلك ابتكارُ المستشفيات التعليمية والفَهْمُ المبكر لناقلات الأمراض؛ علاوةً على التطورات في فنون العمارة، والهندسة الإنشائية، وأساليب البناء التي تبنّاها لاحقًا مشيّدو الكاتدرائيات الكبرى في أوروبا.
وماذا عن ابن الهيثم (المتوفى عام 1040)، رائدِ علمِ البصريات، ويمكن القول إنه واضعُ أسسِ المنهجِ العلمي الحديث، الذي استشهدَ بأعماله كبارُ العلماء بمن فيهم إسحاق نيوتن وغاليلو؟ لقد جمعَ بين التجريبِ والاستدلالِ المنطقي ليطورَ نظريةً في الإبصار تقومُ على أنَّ العينَ تستقبلُ الضوءَ المنعكسَ عن الأجسام؛ وهو ما تعارضَ مع الرؤيةِ السائدةِ لدى إقليدس وبطليموس بأنَّ العينَ البشريةَ هي التي تطلقُ أشعةَ الضوء. أو ماذا عن إنجازات الجَزري (المتوفى عام 1206) في الأنظمة الهيدروليكية وأنظمة القوى، والتي تميَّزَ بعضُها بآلياتِ تحكمٍ آلي معقدة؟ وبينما اشتهر الجَزري في عصره بساعاته المائية المذهلة وآلاته الموسيقية ذاتيةِ التشغيل، إلا أنَّ أهمَّ مساهماته تكمنُ في أعمدة الكرنك والتروسِ المرتبطةِ بها لتحويلِ الحركةِ الدائرية إلى قوةٍ خطية، بالإضافة للمضخة المكبسية؛ وهي الممهد الضروريٌّ للمحرك البخاري وتقنياتٍ أخرى عديدة. ويبدو أنَّ كتابه المصور «الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل» قد تركَ أثرًا واضحًا على عبقري النهضة ليوناردو دا فينشي.
وعلى الرَّغمِ مما تَبْعثُهُ هذه القائمةِ المُقتضبة من إعجابٍ، إلا أنَّها لم تتبلور قَطُّ في نظريةٍ موحدةٍ تقدم تاريخَ الفكرِ العربي والإسلامي للقارئ وتمنحُهُ مكانتَهُ المستحقةَ في الثقافةِ العالمية. كما أخفقت معظمُ هذه المعلومات المثيرةِ للفضول حتى الآن في أن تتحولَ إلى حقائقَ تاريخيةٍ راسخة، وذلك بسبب بقائِها خارجَ نِطاقِ «الحق»، أي إنها لم تنصع للشروط المُجحفة للخطابِ السائد.
فهل ثمةَ سبيلٌ للخروجِ من هذا المأزقِ الإبستيمولوجي الذي خلَّفَهُ نفوذُ الخطابِ المناهضِ للإسلامِ؟ أم أنَّ الغربَ محكومٌ عليه بأن يظلَّ يرى العلومَ الإسلامية -والإسلامَ بوجهٍ عام- وكأنَّه ينظرُ من خلالِ «نافذة معتمة»؟
لا يزالُ التحدي كبيرًا؛ إذ يبدو الغربُ حتى يومِنا هذا عاجزًا جوهريًّا عن أخذِ المنجزِ الفكري العربي على محملِ الجد، أو الاعترافِ بابتكاراته واكتشافاته الحقيقية. وهكذا، فبعد مرورِ خمسمائة عامٍ على قضية كوبيرنيكوس، أعلنَ باحثانِ من جامعاتِ النخبة الأمريكية عن عثورهما في تصاميمِ البلاطِ الإسلامي -التي تعودُ للقرن الخامس عشر- على أنماطٍ هندسيةٍ بالغةِ التعقيد، من النوعِ الذي لم يفهمْهُ الغربُ إلا مؤخرًا. ومع ذلك، لم يكن أيًّا منهما مستعدًا لنسبِ الفضلِ لعلماءِ الرياضيات المسلمين في هذا الاكتشافِ المذهل؛ بل اقترحا بدلًا من ذلك أنَّ هؤلاء المصممين لم يفهموا في الواقع المبادئَ الجوهريةَ الكامنة وراءَ تصاميمِهم وأنماطِهم.
إنَّ الخطوةَ الأولى لتجاوزِ قِصَرِ النظرِ الذاتي هذا يتطلب إدراكَ الكيفيةِ التي لا يَعكسُ بها الخطابُ الغربيُّ حولَ الإسلامِ حقيقةَ الإسلامِ نفسِهِ، أو على الأقلِّ لا يَعكسُها بالضرورة؛ بل إنَّ هذا الخطابَ هو نتاجُ صيرورةٍ اجتماعيةٍ طارئةٍ تغلغلت في بنية الفكرِ الغربيِّ طوالَ ألفِ عام. أمَّا الخطوةُ الثانية، فهي تنحيةُ أحدِ المزاعمِ الرئيسة لهذا الخطاب؛ وهو الزعمُ القائلُ بأنَّ الإسلامَ، على النقيضِ من الغرب، غيرُ عقلانيٍّ بطبعِهِ، ومعادٍ للعلمِ والحداثة.
وحين نخوض هذه الخطوات كتجربة ذهنية ولو لبعض الوقت، يمنحنا الحرية لتخيل مسارات جديدة للبحث. فبدلًا من تساؤلنا عمَّا إذا كان كوبيرنيكوس قد اعتمد مباشرةً على علمِ الفلكِ الإسلامي، بتنا الآنَ أحرارًا في طرحِ سؤالٍ مختلف مثل: كيفَ تمكن هذا الفلكي البولندي أن يتعاطى مع قرونٍ من النقدِ العلميِّ والفلسفيِّ الإسلاميِّ لنموذجِ بطليموس الكلاسيكي للكون؟ وبدلًا من استبعادِ فكرةِ أنَّ علماءَ الرياضياتِ العربَ كان لديهم أيُّ فَهْمٍ نظريٍّ للأنماطِ الهندسيةِ بالغةِ التعقيدِ الموجودةِ في التصاميمِ الإسلامية، يمكنُنا أن نتساءل الآن: كيفَ توصَّلوا إلى مثلِ هذا الاكتشافِ في المقامِ الأول؟
تمكنا هذهِ التجربةُ الذهنيةُ أيضًا التساؤل بشأن عما إذا كانت فكرة إزاحة الأرضِ عن مركزِ الكون -التي تُشكِّلُ جزءًا مهمًّا من التصورِ الغربيِّ للثورةِ العلمية- كانت مشروعًا أوروبيًّا خالصًا، لا دَور للآخَرِ العربي فيه. وهذا بدورهِ يفرضُ علينا مراجعة عميقة في علاقتِنا مع العالمِ الإسلامي بأكملها؛ مراجعة تتحدَّى الخطابَ المناهضَ للإسلامِ، وما أسماهُ عالِما الاجتماع فيليب ساتون وستيفن فيرتيجانز بـ«الصورةِ الكاريكاتوريةِ السائدة للإسلام».
وعلى نطاقٍ أوسع، تمنحُنا هذه التجربةُ الذهنيةُ القُدرةَ على هدمِ تلك الحدودِ المصطنعةِ والمفروضةِ بين فضائين: شرق إسلامي وغرب مسيحي؛ وإعادةِ صياغةِ العلاقةِ بينهما بوصفِها تنافسًا داخلَ الثقافةِ الواحدة، بدلًا من كونِها صراعًا بين ثقافاتٍ متباينة. والنتيجةُ المنطقيةُ لذلك ستكونُ ولادةَ «تاريخٍ جديد» للمنجزِ الفكري الإسلامي؛ تاريخٍ يَتَحَرَّرُ من قواعدِ التفاعل الخطابية التي تُمْلي علينا ما يَجوزُ وما لا يَجوزُ قولُهُ عن الإسلامِ والمسلمين.
بيتلجوس (Beetlejuice): هنا لعبة لفظية، اعتمدها الكاتب هنا؛ فالاسم الإنجليزي للنجم العربي (Betelgeuse - إبط الجوزاء) يُنطق تمامًا مثل اسم الفيلم الهوليودي الشهير (Beetlejuice)، والذي يعني «عصير الخنفساء». قصد الكاتب بهذا الربط الساخر تبيين كيف تحول مصطلح علمي وفلكي عربي عريق، عبر قرون من التحريف والنسيان، لمجرد اسم لفيلم خيالي في الثقافة الشعبية الغربية المعاصرة. (المترجمة)
نظام القيد المزدوج (Double-entry bookkeeping): هو أحد أساسيات المحاسبة الحديثة، وتقوم فكرته على أن لكل عملية مالية طرفين متساويين (مدين ودائن) لضمان توازن الحسابات ودقتها. ففي حين ينسب التاريخ الغربي هذا الابتكار للراهب الإيطالي «لوكا باتشولي» في القرن الخامس عشر، إلا أن الدراسات التاريخية الحديثة تؤكد أن التجار والدواوين في الحضارة الإسلامية قد طبقوا أنظمة محاسبية مشابهة ومعقدة قبل ذلك بقرون، منها نظام الرزنامة. (المترجمة)
ندكتي: نسبة إلى الرهبنة البندكتية، التي كانت تمثل المركز العلمي والثقافي الأهم في أوروبا خلال العصور الوسطى.
[1] مسلمة أفلاطون (إنقاذ الظواهر): هي مهمة أوكلها أفلاطون لعلماء الفلك والرياضيات في عصره، وتتلخص في ضرورة ابتكار «نماذج هندسية» و(تفسيرات رياضية) تجعل الحركات العشوائية وغير المنتظمة للكواكب في السماء تبدو كأنها تسير في دوائر كاملة وبسرعة ثابتة. (المترجمة)
لكن هذا لا يعني أنه نفى أن تكون الأرض هي المركز، فقد أبقاها كمركز صوري لينقذ النموذج الكلاسيكي، وأشار لنقطة وهمية سماها المعدل، حيث يدور الكوكب بسرعة منتظمة حول هذه النقطة الوهمية. (المترجمة)


