أوجه سوء الفهم القيّم!
التقدم العلمي رهينُ الاختلاف؛ فلماذا لا يستحق منكرو اللقاحات وغيرهم من نقاد العلم الاستماع إليهم؟
لطالما ساد في الوعي الجمعي، وحتى في بعض الأوساط الأكاديمية، أن الإجماع هو الغاية القصوى للبحث العلمي، وأن سوء الفهم ليس إلا عثرة يجب تجاوزها أو تهميشها. بيد أن القراءة المتأنية لتاريخ العلوم وفلسفتها تكشف لنا حقيقة أخرى؛ وهي أن المسارات التي ضلّ فيها كبار العلماء طريقهم كانت هي ذاتها المصابيح التي أنارت الطريق لمن خلفهم.
في هذه النشرة، نفتح ملفاً فكرياً شائكاً يتناول مفهوم ’أوجه سوء الفهم القيم‘. لا نتحدث هنا عن الأخطاء العابرة، بل عن تلك الأطروحات التي استفزت العقل العلمي الجمعي، ودفعته لابتكار أدوات ومنهجيات لم يكن لينحتها لولا تلك المواجهة. فمن صراع ’كلفن‘ مع ’داروين‘ حول عمر الأرض، ولدت تقنيات التأريخ الإشعاعي، ومن رحم التشكيك في اللقاحات، تضاعفت جهودنا لفهم الجهاز المناعي بدقة غير مسبوقة.
لطالما قرر غاستون باشلار أن الأخطاء هي وقود العلم، وكم نادى بول فييرابند - بقطع النظر عن بعض مطالبه المتطرفة - بتوسيع مداركنا العلمية، وكل القريبين من فلسفة العلم وقفوا على إيحاءات الطرح الذي تقدم به توماس كون في معالجته لبنية الثورات العلمية، وأخيرًا ما من مهتم بفلسفة العلم إلا وهو يعرف توكيد كارل بوبر على أن الهدف من العلم ليس إحراز اليقين ولا ينبغي أن يكون كذلك. كل هذه المواقف تتفق على مضمون مجمل واحد وهو أن الخطأ واللايقين أساسيان لتقدم العلم، وأن القيمة الحقيقية للعلم لا تكمن في صياغة حقائق نهائية معلبة، بل في التوفر على ’آليات تصحيحية‘ فاعلة، قادرة على تحويل المعارضة وسوء الفهم إلى طاقة دفع معرفية.
كذلك تضع هذه النشرة أيدينا على مكمن الخطر؛ ذلك أن التمسُّك بفهم فَقَد قيمته المعرفية وفُكِّكَ تفكيكًا علميًا قاطعًا – كما في ظاهرة إنكارية العلم الحديثة – من شأنه أن يتحول من ’خطأ مثمر‘ إلى ’عائق أيديولوجي‘ يهدد نزاهة العلم وثقة الجمهور به. كلا طرفي الأمور ذميم، كما يقال، التأدلج العلموي وكذلك التأدلج اللّاعلمي. هذه النشرة دعوة إلى ممارسة ’التواضع الإبستمولوجي‘، كي نعيد قراءة الخلاف العلمي لا بصفته حربًا بين حق وباطل لا مكان للاجتهاد النسبي بينهما، وإنما بصفته عملية تحسينية مستمرة، يصبح فيها سوء الفهم - إذا ما أُدير بذكاء منهجي - جسرًا أمتن لفهم أصوب وأعمق.
د. عبدالله بن سعيد الشهري
أوجه سوء الفهم القيّم!
كولين رايس
ترجمة:سمية العتيبي
منذ بداية العلم، كان الاختلاف والمعارضة هما المحرك لتقدّمه. لقد كان تحدي جاليليو للإجماع القائل بمركزية الأرض أمرًا لا يُقدَّر بثمن لتقدم العلم. كما أن الخلافات بين ألبرت أينشتاين ونيلز بور حول تفسير ميكانيكا الكم قد ولّدت كثيرًا من الرؤى المثمرة. ومع ذلك، ليس كل اختلاف ذا قيمة علمية. فظاهرة إنكارية العلم –أي رفض الادعاءات العلمية الراسخة– في تصاعد مستمر حاليًّا؛ إذ يرأس وزارة الصحة والخدمات الإنسانية في الولايات المتحدة شخص مُشكِّك في اللقاحات، كما تم تعيين عديد من منكري التغير المناخي في مناصب علمية بارزة داخل الحكومة الأمريكية. وعلاوة على ذلك، تم وقف تمويل عديد من المشاريع العلمية المهمة المتعلقة بالوقاية من الأمراض المعدية وعلاجات السرطان وتغير المناخ لأسباب سياسية. كل هذا يطرح أسئلة ملحة: متى يكون الاختلاف مع الإجماع العلمي ذا قيمة؟ ومتى يصبح إشكالًا؟ وكيف ينبغي لنا أن نستجيب له؟
لنبدأ بمثال جليّ من تاريخ العلم. في عام 1863، ادعى ويليام طومسون، المعروف أيضًا بلقب اللورد كلفن، أن عمر الأرض لا يتجاوز مئة مليون عام تقريبًا. استند هذا التقدير إلى القانون الثاني للديناميكا الحرارية، وكان كلفن –المعروف باكتشافه للصفر المطلق– مرجعًا في كل ما يتعلق بالديناميكا الحرارية. لكن هذا القول شكّل تحديًا كبيرًا لنظرية جديدة كانت قد دخلت الساحة العلمية للتو؛ فإذا كان للانتقاء الطبيعي أن يفسر التنوع والتعقيد البيولوجي اللذين استند إليهما تشارلز داروين كدليل أساسي في كتابه أصل الأنواع (1859)، فإن الأرض كانت بحاجة إلى أن تكون أقدم بمئة مليون عام على الأقل من تقديرات كلفن. وتعقيبًا على ذلك، كتب داروين:
«فيما يتعلق بعدم كفاية الوقت المنصرم منذ تصلب كوكبنا الذي يسمح بحدوث القدر المفترض من التغير العضوي، وبما أن هذا الاعتراض -كما طرحه السير ويليام طومسون- يعد على الأرجح أحد أخطر الاعتراضات التي وُجهت حتى الآن؛ فلا يسعني إلا أن أقول: أولًا، إننا لا نعرف المعدل الذي تتغير به الأنواع بالقياس بالسنين. وثانيًا، إن عديدًا من الفلاسفة ليسوا مستعدين بعد للإقرار بأننا نعرف ما يكفي عن تكوين الكون، وباطن كوكبنا لنتنبأ بدقة مدة بقائه في الماضي».
كانت كلمات داروين التحذيرية بشأن تكوين الكون والكوكب تنم عن بعد نظر. بإلقاء نظرة فاحصة على ما مضى، يمكننا القول إن كلفن قد أساء فهم الطريقة التي بردت بها الأرض. ومع ذلك، فإن الإستجابات العلمية لسوء الفهم هذه قد دفعت علومًا عدة نحو الأمام بطرق مختلفة. أولًا، قام الفيزيائيون (بمن فيهم كلفن نفسه) باختبار مجموعة واسعة من الفرضيات المتعلقة بحرارة الأرض وعمرها؛ وقد كشفت هذه الرحلات النظرية في نهاية المطاف عن عيوب في افتراضات كلفن حول صلابة الأرض وتجانسها. ثانيًا، بدأ علماء الفيزياء والجيولوجيا والحفريات في تطوير أساليب مبتكرة لاستخدام التحلل الإشعاعي وفترة نصف العمر لتحديد عمر الكوكب1، وهو ما أنتج بدوره أدلة جديدة وقوية؛ كما كشفت هذه الأساليب عن ثغرات في تصورات كلفن حول الحرارة داخل الأرض والحرارة المنبعثة من الشمس. وأخيرًا، استجاب بعض منظري التطور (بمن فيهم داروين) لتحدي كلفن عبر استكشاف آليات مختلفة لتسريع التغيير التطوري، مثل الانتقاء الجنسي.
تكشف الاستجابات العلمية لأفكار كلفن أن المجتمعات العلمية غالبًا ما تكون بارعة في تطوير الفهم عبر تصحيح أوجه سوء الفهم. ويبدو أنه في محطات معينة من البحث العلمي، كان من الجيد أن يسيء العلماء الفهم؛ لأن ذلك قد حفز في نهاية المطاف بصيرة لدى أقرانهم فاقت في أهميتها سوء الفهم الأولي. ولِنرى الأمر من زاوية أخرى، لو كان كلفن قد قدر عمر الأرض بدقة، لكان من غير المرجح أن تولد الاستجابات لعمله تلك الرؤى التي تحققت خلال تلك الفترة الزمنية ذاتها.
إن «أوجه سوء الفهم القيّم» هذه، كما نسميها، تسلط الضوء على جوانب مثيرة للاهتمام في العلم؛ فهي ليست قيمة بفضل من أطلقوها –الذين قد يكونون غارقين في الارتباك، أو مقيدين بالعناد، أو مشوبين بدوافع سيئة- بل إن قيمتها تنبع من تلقي العلماء الآخرين لسوء الفهم هذا وتحويلهم لمساره. ولهذا السبب، تمنحنا أوجه سوء الفهم القيّم رؤًى متجددة حول مكمن الخلل في إنكارية العلم، ولماذا لا يكون الإجماع العلمي مطلوبًا دائمًا، ومخاطر وقف تمويل العلم، وكيفية التعريف بالعلم. كما أنها تدعو العلماء إلى ممارسة التواضع الفكري في سياق الاختلاف، سواء مع بعضهم أو مع الجمهور العام.
وقبل استقصاء هذه القضايا، يتعين علينا توضيح المعنى المقصود بكلٍّ من: سوء الفهم، وتطوير الفهم، وتصحيح سوء الفهم. وفي ملتقى هذه الأفكار يبرز مفهوم «الفَهم» ذاته، وهو المفهوم الذي حظي باهتمام فلسفي بالغ خلال العقود القليلة الماضية.
لننظر في فهمنا لاندلاع حريق ما؛ إن الطريقة النموذجية لفهم سبب نشوب الحريق هي تقديم تفسير صحيح لحدوثه، كأن نقول مثلًا إن أحدهم أشعل عود ثقاب. ومع ذلك، فإن الفهم لا يتطور فقط من خلال شرح السبب الحقيقي الذي أدى لنشوب الحريق، بل أيضًا عبر شرح الأسباب التي كان من الممكن أن تؤدي إليه. فالشخص الذي يدرك أن الحريق لم ينتج عن عود ثقاب فحسب، بل كان من الممكن أيضًا أن ينتج عن جمر متقد، أو صاعقة، أو مركبات كيميائية، يمتلك فهمًا أعمق للحريق من ذاك الذي لا يستطيع سوى تحديد عود الثقاب كسبب فعلي. والفكرة البديهية هنا هي أنه إذا كان امتلاك التفسير الصحيح لظاهرة ما يمنحنا الفهم، فإن الإلمام بتفسيرات إضافية ممكنة لتلك الظاهرة يمنحنا فهمًا أعمق.
وإذا كان ما سبق صحيحًا، فإن الفهم يكمن في تحديد العوامل الفعلية والممكنة التي تفسر ظاهرة ما. وبناءً على هذا التصور، يصبح من الجلي أن العلم يرمي إلى الفهم؛ فالعلماء، في نهاية المطاف، لا يقنعون بمجرد سرد قائمة من الحقائق، بل يسعون أيضًا إلى كشف أسباب وكيفية ظهور تلك الحقائق، وآلية عملها وتفاعلها.
ومع هذا التصور الأولي عن الفهم، يمكننا البدء في بلورة مفهومنا حول أوجه سوء الفهم القيم. فسوء الفهم ينطوي على تفسيرات خاطئة؛ وفي حالة كلفن، لم يكن سوء فهمه لعمر الأرض ناتجًا فقط عن تقديره القاصر جدًا لهذا العمر، بل وأيضًا لأنه أخطأ في فهم العلاقات المتعددة بين عمر الأرض وصلابتها وتجانسها. وهذا يعني أن كلفن قد أساء الفهم لأنه تبنى تفسيرات غير صحيحة لعمر كوكبنا.
كذلك يسلط هذا التصور للفهم الضوء على طريقتين يمكننا من خلالهما تطوير فهمنا؛ أولًا، يتطور الفهم عندما نكتشف روابط تفسيرية جديدة. فمن خلال التفاعل مع سوء فهم كلفن، كُشِف عن صلات جديدة بين التطور والجيولوجيا والتحلل الإشعاعي. وثانيًا، يتطور الفهم عندما نتمكن من التمييز بين التفسيرات الحقيقية وتلك التي تظل في حيز الإمكان فحسب. إن إحدى النتائج الواضحة للمساجلات التي أثارها سوء فهم كلفن هي إدراك العلماء أن كون الأرض بذاك الحداثة التي أكدها كلفن كان مجرد احتمال، بينما كانت في الواقع أقدم من ذلك بكثير.
وفي حالات سوء الفهم القيّم، تتحقق هذه التحسينات في الفهم من خلال عملية تصحيح سوء الفهم ذاته. وتتسم هذه العمليات التصحيحية بعدة سمات جوهرية؛ أولًا: أن الشخص الذي يتولى التصحيح لا يُسهم في تكريس سوء الفهم أو إطالة أمده. وثانيًا: أن التصحيح لا يحدث بمحض المصادفة، بل إن المصحح يهدف بوضوح إلى تحويل سوء الفهم إلى مادة تطور الفهم. وثالثًا: يجب أن تستند هذه العملية إلى استدلالات ومناهج قادرة بشكل موثوق على تحويل أوجه سوء الفهم إلى مدارك معرفية. ورابعًا: غالبًا ما تكون هذه العملية مفتوحة بما يكفي للسماح للبحوث المستقبلية بالكشف عن أوجه سوء فهم إضافية (بما في ذلك ما نعتبره مفهومًا في الوقت الحالي) ما يستوجب تصحيحه.
ويُحسَب للعلم أنه نجح في حشد ترسانة مبهرة من العمليات التصحيحية التي تستوفي هذه المعايير، ومنها: التعامل مع الأطروحات كفرضيات واستخلاص تبعاتها، وتطوير مناهج قادرة على تقصي أوجه سوء الفهم بدقة أكبر، وبناء نماذج جديدة تقترح تفسيرات بديلة تتحدى سوء الفهم القائم؛ وغيرها الكثير. وبناءً عليه، فإن العمليات التصحيحية التي تحوّل سوء الفهم إلى فهمٍ بشكل موثوق، تُعد سمةً بارزة من سمات العلم.
ويجب التمييز بين أوجه سوء الفهم القيم وبين حالات أخرى يكون فيها سوء الفهم مجرد حلقة في تسلسل سببي ينتهي بتطوير الفهم العلمي. ولننظر هنا في الحالة المثيرة للاهتمام لـروجر بابسون –رائد أعمال واقتصادي من القرن العشرين– الذي حقق ثروة طائلة من خلال تطبيق قوانين إسحاق نيوتن على سوق الأوراق المالية. كان لدى بابسون ولع غريب بالجاذبية؛ فقد كان يمقتها، بل يُحمّلها مسؤولية الحادثة المأساوية لغرق شقيقته الصغرى وهي طفلة. وفي الواقع، ذهب في سيرته الذاتية إلى أبعد من ذلك، حيث ألقى باللائمة على الجاذبية لتسببها بقائمة طويلة من المعضلات البشرية:
«الجاذبية العدو الأول لمن تجاوزوا الستين من عمرهم. بل يُعتقد بوجود ارتباط بين الحوادث والأمراض وبين أطوار القمر المختلفة؛ وهو ما يعني –إن صح ذلك– أن احتمالات تعرضنا للأذى تتفاوت بتفاوت قوة جذب الأرض لأجسادنا».
حيث دفعه سوء الفهم هذا للجاذبية إلى تأسيس مؤسسة أبحاث الجاذبية في عام 1949. وفي مقابل التمويل الذي قدمته المؤسسة للبحث في مجال الجاذبية، وَجَب على الكليات والجامعات نصب ألواح خرسانية في حرمها الجامعي كُتب عليها:
«أُقيم هذا النصب التذكاري... من قِبَل مؤسسة أبحاث الجاذبية... لتذكير الطلاب بالخيرات المرتقبة حين يتمكن العلم من تحديد ماهية الجاذبية، وكيفية عملها، وكيفية السيطرة عليها».
وقد احتفلت المؤسسة مؤخرًا بذكرى تأسيسها الخامسة والسبعين، ولا تزال تمنح جوائز للباحثين المنكبين على فهم الجاذبية وآثارها. وقد أسهم كثيرٌ من هذا العمل في تطوير فهم المجتمع العلمي للثوابت الأساسية للكون، وحركة الكواكب، وحتى سوق الأوراق المالية.
وعلى الرغم من أن سوء فهم بابسون للجاذبية قد أدى دورًا في تحقيق هذه النجاحات العلمية، فإنه لا يُعد سوء فهم ذا قيمة. فالحاصلون على هذه المنح لم يُضطروا لتصحيح سوء فهمه؛ بل كان لديهم ملء الحرية لتجاهل أفكاره الغريبة حول شرور الجاذبية في أثناء إجراء أبحاثهم. غير أن التجاهل ليس خيارًا متاحًا في حالات سوء الفهم القيّم. ومع أن سوء الفهم جزء ضروري من العمليات التصحيحية، فإنه وحده لا يكفي لجعل ذاك الخطأ ذا قيمة بالمعنى الذي نقصده.
وبعد أن أصبح لدينا إدراك أفضل لماهية أوجه سوء الفهم القيّم -وما لا تمثله كذلك-يجدر بنا ذكر آراء فلاسفة آخرين تناولوا هذه القضايا. فقد أدرك الموسوعي جون ستيوارت ميل، في القرن التاسع عشر، أهمية أوجه سوء الفهم القيّم؛ حيث كتب في مؤلفه الكلاسيكي عن الحرية (1859) ما يلي:
«... ففي كل موضوعٍ يحتمل الخلاف في الرأي، تعتمد الحقيقة على إحداث توازن بين مجموعتين من الحجج المتعارضة. وحتى في الفلسفة الطبيعية (أي العلم)، ثمة دائمًا تفسير آخر ممكن للحقائق ذاتها... ولا بد من بيان السبب الذي يجعل تلك النظرية الأخرى غير صحيحة، وما لم يُبيَّن ذلك، وما لم نعرف كيف بُيِّن، فإننا لا نفهم الأسس التي تقوم عليها آراؤنا».
يربط «ميل» على نحو واضح بين الفهم والقدرة على الفصل بين التفسيرات والنظريات البديلة؛ وهذا بطبيعة الحال يمثل سمة بارزة لأوجه سوء الفهم القيّم. والواقع أن من الملامح اللافتة في عمل ميل هو أنه لا يغلق حلقة الأهمية لهذه الأوجه عند حدود العلم فحسب.
«... وحين ننتقل إلى موضوعات أكثر تعقيدًا بما لا يُقاس؛ كالأخلاق، والدين، والسياسة، والعلاقات الاجتماعية، وشؤون الحياة، فإن ثلاثة أرباع الحجج المؤيدة لكل رأيٍ مختلَفٍ عليه تبدد الظواهر التي تُرجّح كفة رأيٍ آخر يغايره».
ومع أننا من المعجبين بطرح ميل، فإنه يركز في الغالب على الحالات التي يتوصل فيها الفرد الواحد إلى فهمٍ أفضل لموقفه من خلال تحديد الحجج التي تُرجّح كفة رأيه على البدائل التي يطرحها الآخرون. غير أن حالة كلفن لا تسير وفق هذا النمط؛ إذ لا يبدو أن فهم كلفن لعمر الأرض قد تطور من خلال النظر في الردود التصحيحية التي وُجهت لعمله. وعلاوة على ذلك، وبما أن عمر الأرض والانتخاب الطبيعي والتحلل الإشعاعي هي ظواهر مختلفة تمامًا، فلا يمكن وصفها ببساطة بأنها بدائل لبعضها. وهذا يشير إلى أن تصور ميل يقلل من شأن ثراء وتعدد استخدامات العمليات التصحيحية.
كذلك استبقت الفيلسوفات النسويات في مجال العلم جوانب مهمة عدة من مفهوم «أوجه سوء الفهم القيّم». ففي كتابها البارع «العلم كمعرفة اجتماعية» (1990)، تؤكد «هيلين لونجينو» وجوب تنظيم المجتمعات العلمية على نحوٍ يُعزز النقد التحويلي. ولا يقتصر النقد التحويلي عند لونجينو على تقديم الانتقادات فحسب، بل يشمل عمليات اجتماعية مختلفة لضمان استيعاب تلك الانتقادات، بما يكفل مراجعة الادعاءات العلمية التي تواجه فحصًا نقديًّا. وتكمن بصيرة لونجينو جزئيًّا في أن النقد التحويلي لا يقتصر على كونه ذا أهمية قصوى في الكشف عن التحيزات القائمة على التمييز الجنسي في العلم -وهو هدف مركزي في مشروعها- بل يتعدى ذلك لكونه جوهريًّا للعلم بأسره. وبما أن عملياتنا التصحيحية تتسم بكونها تحويلية ونقدية لأوجه سوء الفهم في آنٍ واحد، فإنها تُعدُّ بامتيازٍ نتاجًا فكريًّا أصيلًا لأفكار لونجينو.
ومع ذلك، ثمة فروق جوهرية؛ إذ ترى لونجينو أنَّ النقد التحويلي هو سمة محددة للموضوعية، ولكن ليس بالضرورة للفهم. ذلك أن الادعاءات العلمية التي تكتفي بالجانب الوصفي أو التنبُّئي قد تكون موضوعية دون أن تقدم فهمًا عميقًا للأسباب الكامنة وراء حدوث ظاهرة ما. فعلى سبيل المثال، نتيجة لنقاش نقدي مع أقراني، قد تتوافر لديّ مسوغات موضوعية وجيهة للتنبؤ بأن المادة الكيميائية في تجربتي المختبرية ستتحول إلى اللون الأزرق؛ لكن موضوعية هذا التنبؤ (ودقته) تختلف اختلافًا جوهريًّا عن فهم «لماذا» تحولت المادة إلى اللون الأزرق. علاوة على ذلك، يركز منظور لونجينو على فحص القيم والافتراضات الخلفية من وجهات نظر متعددة. وبما أن أوجه سوء الفهم القيم تنطوي على تصحيح تفسيرات خاطئة، فإنها تهدف إلى نقد وتحويل أشياء مختلفة تمامًا.
وعلى الرغم من هذه الاختلافات، فإننا نتفق مع ميل ولونجينو في أن القدرة على الاستجابة لتنوع الآراء تُعدُّ مكونًا حيويًا للمجتمعات الفكرية التي تؤدي وظيفتها على أكمل وجه. بل إننا نقترح أن صحة المجتمع العلمي يجب أن تُقاس بمدى قدرته على تعزيز أوجه سوء الفهم القيّم؛ إذ يساعدنا هذا على تشخيص التهديدات التي يواجهها العلم حاليًّا بشكل أفضل، وتقديم الحلول الناجعة لها في الحالة المثالية.
إن أولئك الذين يساورهم القلق بشأن وجود «حرب على العلم»، غالبًا ما يشيرون إلى أفراد أو جماعات تسيء التصرف بمناهضة الإجماع العلمي لأغراض غير سوية أو غير عقلانية؛ مثل نقاد العلم الزائف لنظرية التطور بالانتخاب الطبيعي، والتغير المناخي، واللقاحات. وإذا كان مقياس حيوية المجتمع العلمي هو قدرته على رعاية «أوجه سوء الفهم القيّم»، فإن منكري العلم هؤلاء يشكلون معضلة لأنهم يكرسون أوجه سوء فَهم لم تعد لها أي قيمة. ويحدث هذا عادةً عندما تتوافر بالفعل ردود تصحيحية واسعة وكافية لتلك الأخطاء. وبعبارة أخرى، إذا كان العلماء قد وسعوا بالفعل أطرهم النظرية والمنهجية والتجريبية لتصحيح سوء فهم ما -وكانوا قد تعاملوا مع ذلك الخطأ، في حينه، كاحتمال جدي- فإن التشبث به بعد ذلك يُعد أمرًا ضارًّا وغير سوي الطوية.
ولتقدير هذه النقطة، لنتأمل استجابة المجتمع العلمي للمشككين في اللقاحات. إن المعين الأول للمعلومات المضللة في هذا الشأن هو ورقة بحثية (سُحبت الآن) زُعم فيها إثبات وجود صلة بين اللقاحات والتوحّد. وقبل وقت طويل من صدور هذه الدراسة، استجاب العلماء للمخاوف بشأن سلامة اللقاحات عبر اختبار فرضيات عدة تتعلق بتفاعلها مع جهاز المناعة؛ وهكذا، كان جزء من سوء فهم الجمهور للقاحات قد بدأ بالفعل في التحول إلى فهم حتى قبل نشر تلك الدراسة. وفور نشر الورقة في عام 1998، أُجريت دراسات عديدة لاختبار فرضيات متنوعة؛ إما لربط اللقاحات بالتوحد، أو للادعاء بأن كثرة اللقاحات قد تؤدي إلى «إنهاك» جهاز المناعة. وقد أسفرت هذه الدراسات عن دحض تلك الفرضيات، ونتج عنها صياغة فرضيات بديلة قابلة للاختبار مستقبلًا. ونتيجة لذلك، أدت التصحيحات التي أجراها المجتمع العلمي لأوجه سوء الفهم هذه إلى دفع عجلة الفهم العلمي للأمام. وباختصار، كانت الفرضية القائلة بأن اللقاحات تسبب التوحد -لفترة من الزمن- بمثابة سوء فهم ذي قيمة. وبما أن قدرًا كبيرًا من هذا الجهد قد بُذل استجابةً للمخاوف العامة بشأن سلامة اللقاحات، فإن هذا المثال يوضح بجلاء كيف يمكن توظيف العمليات التصحيحية بفعالية، بغض النظر عما إذا كان سوء الفهم نابعًا من داخل المجتمع العلمي أو من خارجه.
غير أن منكري العلم يقوّضون نزاهة العلم حين يعجزون عن إدراك تاريخ الصلاحية لأوجه سوء الفهم القيّم. فبمجرد إتمام العمل الشاق المتمثل في صياغة الفرضيات البديلة، وجمع البيانات، واختبار الأفكار المتنوعة، يحق لنا أن نتساءل: هل يظل الرد المتكرر على ذات أوجه المعارضة أو سوء الفهم أمرًا ذا قيمة؟ ويبرز هذا التساؤل كقضية ملحة للغاية، لا سيما في ظل الموجة الأخيرة من التشكيك في اللقاحات، وما طرحه روبرت كينيدي جونيور، وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي، من ضرورة إجراء اختبارات إضافية حول سلامة اللقاحات.
ثمة نقاط تشابه هنا مع مثالنا السابق؛ فنتيجة للاستجابات المتعددة لفرضيات كلفن، ثبت لاحقًا أن عمر الأرض أطول بكثير من المدى الزمني اللازم لحدوث التطور. ورغم تلك الردود الحاسمة، رفض كلفن التخلي عن معارضته. وبمجرد أن استخلص العلماء الآخرون الفائدة من سوء فهمه عبر عملياتهم التصحيحية، لم يعد لتمسكه بموقفه أي مسوّغ منطقي. وبالمثل، فبينما أثمرت الاستجابات الأولى لسوء الفهم الشعبي للقاحات عن تقدم علمي واسع، فإن معظم القيمة المرجوة من الرد على خطوط المعارضة الأصلية تلك قد استُنفدت، ولم يعد من المرجح أن يؤدي إجراء المزيد من الاختبارات إلى إنتاج فهم جديد.
وعليه، فإن الخطيئة الكبرى لمنكري العلم، من وجهة نظرنا، هي التشبث بسوء فهمٍ لم يعد ذا قيمة. وهذا يختلف عن الأسباب الأخرى التي تُساق لتفسير علل إنكار العلم، التي نوقش كثير منها ببراعة في كتاب الصراع ضد الشك: كيف نردم الفجوة بين العلماء والجمهور (2018) لإنماكولادا دي ميلو مارتن وكريستين إينتمان. تسلط المؤلفتان الضوء على الصعوبات الكامنة في تحديد الانحرافات الضارة عن الإجماع العلمي الراسخ أو ما تطلقان عليه «المعارضة غير اللائقة معياريًّا». وفي سياق حديثهما، تنتقد المؤلفتان هذا النهج لمبالغته الكبيرة في تقدير قيمة الإجماع العلمي. وبالمقابل، فإن أوجه سوء الفهم القيّم تذكرنا بضرورة تجنب تقديس الإجماع، وتدعونا لاستحضار حقيقة أن الاستجابة الفعالة للمعارضة والنقد هي ركيزة أصيلة ودائمة في الممارسة العلمية. والواقع أن المجتمعات العلمية التي تكثر فيها أوجه سوء الفهم القيّم، حتى وإن افتقرت إلى الإجماع، هي التي تطور مسارات بحثية متعددة يشتبك بعضها مع بعض نقديًّا. وعلى النقيض من ذلك، فإن الإجماع الذي ينفر من أوجه سوء الفهم القيّم قد يكون نتاجًا لعقلية القطيع، أو الكسل، أو المقاومة للآراء البديلة.
وثمة مشكلات إضافية تترتب على التركيز الضيق على الإجماع العلمي؛ فكثير من المعارف العلمية لا تصل إلى مصاف الإجماع الواسع، لذا فإن البحث عن إجماع مستقر بين جميع العلماء (أو معظمهم) غالبًا ما يعجز عن تقديم مسوغات كافية للثقة بالادعاءات العلمية. وفي سياق ذي صلة، فإن المبالغة في التركيز على الإجماع تجعل من الصعب جدًّا على المجتمعات العلمية تحديث قناعاتها بمرور الوقت دون تقويض ثقة الجمهور. وأخيرًا، إذا نُظر إلى الإجماع بوصفه الحالة النهائية للعلم، فستُبخس قيمة المعارضة؛ ولن يعود بمقدورها مساعدتنا على تصحيح الأخطاء أو تحديث رؤانا بمرور الزمن. ومن خلال التعامل مع الإجماع بوصفه مسألة هامشية بالنسبة لمشكلة إنكار العلم، تتجاوز أوجه سوء الفهم القيّم هذه الإشكالات برمتها.
بالطبع، نحن لا نهدف إلى الإيحاء بأن الإجماع العلمي لا قيمة له؛ فعندما يكون الإجماع جديرًا بالثقة، فإنه يكون ثمرةً لمجتمعات علمية تمتلك آليات متينة لرعاية أوجه سوء الفهم القيّم، وهي مجتمعات تستجيب بفاعلية للمعارضة، والاختلاف، والأدلة المضادة، والتفسيرات البديلة بطرقٍ تُفضي إلى كسب بصائر جديدة.
إن التركيز على المعارضة غير اللائقة معياريًّا لا يبالغ في تقدير قيمة الإجماع فحسب، بل ينطوي أيضًا على خطر صرف الانتباه عن الجوانب الأكثر ضررًا في إنكار العلم. فأولًا وقبل كل شيء، لا يُعدُّ إنكار الإجماع العلمي خطيئة في حد ذاته؛ ولو كان الأمر كذلك، لانتهى المطاف بجاليليو ونيوتن وغيرهما من أصحاب الرؤى العلمية في الخندق ذاته مع منكري التغير المناخي والقائلين بالخلقية ومعارضي اللقاحات. كما لا يهم كثيرًا أن يكون لمنكري العلم أحيانًا دوافع سيئة؛ فأندرو ويكفيلد، المؤلف الرئيس للورقة البحثية التي ربطت خطأً بين اللقاحات والتوحد، يُزعم أنه تلقى أموالًا من محامٍ (عبر مناورة قانونية معقدة) كان يسعى لمقاضاة الشركات المصنعة للقاحات قبل إجراء بحثه. ومع ذلك، فقد أثمرت ورقته تلك عن سوء فهم قيّم. ولحسن الحظ، فبينما نجهل في كثير من الأحيان ما الذي يحرك عالمًا ما أو منكرًا للعلم، فإن دوافعهما تظل غير ذات صلة بإنتاج أوجه سوء الفهم القيّم؛ فالمهم حقًّا هو كيفية استجابة العلماء الآخرين لهذا السوء في الفهم.
إن قصر التركيز على المشكلات التي صاحبت دراسة ويكفيلد الأصلية، أو على ممانعة عامة الناس للإجماع الحالي بشأن سلامة اللقاحات، يعمي العلماء والجمهور على حد سواء عن رؤية العمليات التصحيحية القادرة على تحويل سوء الفهم والمعارضة إلى معرفة جديدة. ولا يعني هذا أن أوجه سوء الفهم القيّم تضفي قيمة مطلقة على الخلافات كيفما كانت؛ فمن وجهة نظرنا، لا يكفي مجرد الاختلاف مع شخص يتبنى فهمًا مغلوطًا. بل تتطلب أوجه سوء الفهم القيّم من المجتمعات العلمية بناء نماذج جديدة، وابتكار مناهج حديثة، والبحث عن بيانات محدثة، وما إلى ذلك، كطرق لتصحيح أوجه سوء الفهم تلك؛ أما مجرد الاختلاف، فلا يستلزم بالضرورة القيام بهذه التصحيحات.
وهكذا، فإن الهوس بمسألتي الإجماع والمعارضة قد صاغ النقاشات حول ثقة الجمهور بالعلم بطرق غير مثمرة. فالمشكلة العامة تكمن في أن الإجماع ليس شرطًا ضروريًّا ولا كافيًا لممارسة العلم الجيد؛ والأمر نفسه ينطبق على المعارضة. وما يغيب عن كل من الإجماع والمعارضة هو العمليات التصحيحية التي تُحوّل سوء الفهم إلى فهم. فهذه العمليات هي الكيفية التي يحول بها العلمُ الخلافاتِ وأوجهَ سوء الفهم إلى قناعاتٍ أكثر رسوخًا من الناحية العقلانية، وهي القناعات التي أصاب مفكرون من أمثال ميل ولونجينو حين أعلوا من شأنها.
إن هذا كله يقترح أسلوبًا مختلفًا تمامًا في توضيح وجه الخطأ لدى منكري العلم للجمهور: وهو أن المجتمع العلمي قد تعامل مع أفكارهم المركزية بجدية في الماضي، لكنه وجد في نهاية المطاف أنها لم تعد تؤتي أي ثمار. كما يقترح أيضًا طرقًا مختلفة لتوضيح الأسباب التي تستوجب ثقة الجمهور في نتائج البحث العلمي: وهي أنها تستند (جزئيًا على الأقل) إلى قدرة العلم الثابتة على تحويل سوء الفهم إلى فهم.
تؤكد أوجه سوء الفهم القيم على مدى أهمية استجابة المجتمع العلمي لسوء الفهم والمعارضة والاختلاف في ضمان الأداء الصحي للعلم. وبناءً على ذلك، يجب على المجتمعات العلمية أن تشجع وتدعم وتثقف أعضاءها حول كيفية الاستجابة الفعالة لسوء الفهم. وعلاوة على ذلك، يتعين عليها القيام بذلك بتواضع إبستمولوجي، وهذا ينطبق بغض النظر عن الموقع الذي يجد العلماء أنفسهم فيه من سوء الفهم القيّم؛ فقد يكونون هم المُخطئين –مثل كلفن– وعليهم حينئذٍ أن يكونوا متقبلين للتصحيحات التي تجري من حولهم. وبدلًا من ذلك، حين يرون أن شخصًا ما قد وقع في سوء فهم، فعليهم أن يكونوا كنقاد كلفن: منفتحين وذوي نباهة معرفية بما يكفي لاستكشاف شيء أكثر فائدة من ذلك الخطأ. كما يجب أن يتم ذلك بعناية؛ إذ تُمكِّن أوجه سوء الفهم القيم المجتمعات العلمية من الاستجابة بفاعلية للجمهور، حتى وإن كانت مخاوفهم نابعة من سوء نية، أو أيديولوجيا، أو فهم مغلوط للنتائج العلمية. وهذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن الرد على الاعتراضات بشكل مرضٍ هو الركيزة الأساسية التي تمكن غير المتخصصين من تحديد ما إذا كان عليهم الوثوق بالخبراء العلميين أم لا. وباختصار، فإن امتلاك عمليات تستجيب بفاعلية لسوء الفهم ليس ضرورة للعملية العلمية فحسب، بل هو أمر جوهري لبناء ثقة الجمهور بالعلم.
وعلاوة على ذلك، لا ينفرد العلماء وحدهم بجعل أوجه سوء الفهم القيّم ركيزة أساسية في التصور العام لكيفية عمل العلم؛ إذ يؤدي السياسيون أيضًا دورًا محوريًا في ذلك. وبما أن المؤسسات العلمية هي المحضن الأساسي الذي تجري فيه هذه العمليات التصحيحية، فإن وقف تمويل العلم –مثل إعلان كينيدي في أغسطس الماضي عن إلغاء وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية لما يقرب من 500 مليون دولار من دراسات لقاحات الحمض الريبي المرسال– يمثل تهديدًا أخطر بكثير من مجرد إنكار العلم. فتقليص تمويل المؤسسات العلمية يقوض بشكل مباشر آليات العلم الكفيلة بتحويل المعارضة وسوء الفهم إلى فهم جديد وأدلة وحقائق. وطالما ظلت هذه العمليات التصحيحية (وغيرها) قائمة، فمن الممكن احتواء حالات الإنكار، إن لم يتم تحويلها بالفعل إلى أوجه سوء فهم قيّم.
ولا يقتصر الأمر على السياسيين والعلماء وحدهم؛ فللمربين والصحفيين دورٌ يؤدونه عبر توضيح ما يفهمه العلماء للجمهور، لا الاكتفاء بمجرد القول بوجود خلاف حول موضوع ما. إذ إن ذلك الاكتفاء يغذي نوعًا من السرديات القائمة على الإجماع، التي تخفي خلفها العمل الشاق المبذول في التعامل مع الخلافات، ووجهات النظر البديلة، وأوجه سوء الفهم بطرقٍ مثمرة. وبدلًا من ذلك، يحتاج الجمهور إلى معرفة كيف وصل العلماء إلى هذا الفهم عبر اشتباكهم مع الخلافات وأوجه سوء الفهم. فهذا يبعث برسالة إلى المعارضين مفادها أن وجهات نظرهم قد حظيت بردود وافية، وأن النتائج العلمية ليست وليدة أيديولوجيا أو كسل، بل هي ثمرة قدرة العلم على تحويل سوء الفهم إلى فهم.
فترة نصف العمر: هي المدة الزمنية الثابتة التي يحتاج إليها العنصر المشع ليتحلل نصف مقداره؛ ومن خلال قياس ما تبقى منه في الصخور، يستطيع العلماء حساب عمرها بدقة.


